الرئيسية » أسرتي » المرأة بين المشاركة والاختلاط

المرأة بين المشاركة والاختلاط

إعداد : نهال صلاح الجعيدي

مشاركة المرأة في الحياة العامة وما بها من اختلاط كان ومازال من القضايا الخلافية بين من يعتبرون أنفسهم أصحاب التوجهات الإسلامية المجددة التي تميل للانفتاح ومواكبة التطور التكنولوجي ، والذين يرون وجوب مشاركة المرأة وأن هذه المشاركة لم يمنعها الرسول صلى الله عليه وسلم في عصر الرسالة، خاصة وأن المقصد من عدم الاختلاط ، قد ذهب أدراج الرياح مع ما تقدمه وسائل الإعلام المرئية من مشاهد قد تكون أكثر إثارة للغرائز من الاختلاط نفسه، وبين المتشددين الذين يعتبرون الاختلاط شر مطلق، و أن الابتعاد عنه غنيمة لدرء المفاسد والشبهات، ويبالغون في سرد الأدلة والشواهد لبيان حرمته من القرآن الكريم وخاصة قوله سبحانه : “وإذا سألتموهن متاعاً فاسألوهن من وراء حجاب ذلكم أطهر لقلوبكم وقلوبهن” (الأحزاب53). و اعتمادهم على قصص من الواقع الذي نعيشه ، ولأنه يفتح الباب على مصرعيه للانحلال الأخلاقي من وجهة نظرهم ، خاصة في ظل ضعف الوازع الديني وغياب الرقابة ، وانتشار وسائل الاتصال الحديثة التي  تنقل الصوت والصورة معا.

بصراحة فإن لكل رأي منهما وجاهته ، فالكثير من التعصب والتشديد قد يؤدي إلى نتائج عكسية لا تحمد عواقبها فكل ممنوع مرغوب ، وكذلك التيسير لدرجة الإفراط في الإباحة أيضا غير محمود ، فنحن المسلمين مأمورون بتسيير الواقع وتكييفه على مقتضى الشرع، لا مسايرته وموافقته ، فخير الأمور أوسطها.

إن الأصل في الأحكام الإباحة ما لم يرد نص شرعي يحرمها، فالمشاركة و الاختلاط حكمه الإباحة إذا ما التزمنا بحدود الشرع وضوابطه ، وأن المنهاج الإسلامي القويم قد وضع هذه الأسس والمحددات في سياق الآيات التي تحدد علاقة الرجل بالمرأة ، ولعل أبرز هذه الضوابط :

الاختلاط لا يكون الا لضرورة : لم يحرم الإسلام الاختلاط بشكل نهائي فقد خرجت المرأة في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم في الحرب ولكنها التزمت بضوابط بأن تكون  خلف الجيش لتقدم لهم الطعام و السقاية والتمريض .

كما جاز خروج المرأة لصلاة الجماعة وصلاة العيد ، عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “لا تمنعوا إماء الله مساجد الله، ولكن ليخرجن وهن تفلات”.

أما الضوابط فكانت قول النبي صلى الله عليه وسلم :”خير صفوف الرجال أولها وشرها آخرها، وخير صفوف النساء آخرها وشرها أولها” وإنما كانت صفوف الرجال الأوائل أفضل لبعدها من النساء، وكان الآخر منها شرًا لقربه من النساء ، وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم الرجال أن يتأخروا في الانصراف من المسجد حتى يخرج النساء. وكان يتأخر عليه الصلاة والسلام عن الخروج من المسجد هو وأصحابه حتى يدخل النساء في بيوتهن.

غض البصر : قال تعالى : (قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم، ذلك أزكى لهم، إن الله خبير بما يصنعون * وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها) [النور:30،31]، ولا يكون غض البصر الا في أماكن يجتمع بها الرجال والنساء ، فكان أمر الله سبحانه وتعالى أمرا لكلاً من الجنسين أن يغض بصره عن الآخر، لما في ذلك من صلاح للنفوس، وسموها .

الالتزام بالحجاب الشرعي ، واللباس المحتشم ، الذي لا يصف ولا يشف ، ولا يكون زينة ظاهرة ، وكذلك ترك الطيب والعطر والماكياج، لما في ذلك من إضفاء جمال على المرأة ، قد لفت انتباه الرجال ، فقد روى مسلم في صحيحه، عن زينب زوجة عبد الله بن مسعود رضي الله عنها قالت: قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إذا شهدت إحداكن المسجد فلا تمس طيباً”.

عدم الخضوع بالقول : الحرص على أن يكون الحديث في المجال الذي تم الاجتماع لأجله سواء العمل والتعليم ، وعدم الخوض في حديث شخصي يتخلله نوع من الدلع والرقة فيطمع الذي في قلبه مرض ، قال تعالى: (فلا تَخْـضَعْنَ بالقول فيطمع الذي في قلبه مَرَضٌ وقلن قولاً معروفًا) (الأحزاب: 32).

في المشي والحركة: فلا تتكسر ولا تتمايل، كأولئك اللائي وصفهن الحديث الشـريف بالمائـلات المميلات، واذعانا لقوله تعالى: (ولا يـضربن بأرجلهن ليُعْلَمَ ما يُخْفِين من زينتهن) (النور: 31)، وأن تكـون كالتي وصفها الله بقوله: (فجـاءته إحداهما تمشي على استحياء). (القصص: 25).

الابتعاد عن الخلوة : الحذر من أن يختلي الرجل بامرأة وليس معهما محرم، فقد نهت الأحاديث الصحيحة عن ذلك، وقالت : ” إن ثالثهما الشيطان ” .

والخلاصة :  إن اللقاء بين الرجال والنساء في ذاته إذن ليس محرمًا بل هو جائز أو مطلوب إذا كان القصـد منه المشاركـة في هدف نبيل، من علـم نافع أو عمل صالـح، أو مشـروع خـير، أو جهاد لازم، أو غير ذلك مما يتطلب جهودًا متضافرة من الجنسين، ويتطلب تعاونا مشتركًا بينهما في التخطيط والتوجيه والتنفيذ.

إن السؤال الذي يجب أن يتبادر إلى أذهاننا بعد الطرح السابق هل الاختلاط الذي نراه اليوم في جامعاتنا وأسواقنا ومواقع العمل ، وتجمعاتنا الأسرية ، والاجتماعية ، تنطبق عليه هذه الضوابط السالفة الذكر؟ أم أن هذه الأماكن تعج بالتجاوزات في الملبس والحديث والتصرفات ، فنرى التبرج والسفور والفتن والعلاقات المشبوهة ؟.

إننا لا نرفض مشاركة المرأة واختلاطها ، حتى لا يفوتها الكثير من الخير والعلم والعمل ، وحتى تؤدي الدور والرسالة المنوطة بها في رفعة مجتمعها ، ولكن ما نراه اليوم في كثير من المواقف أنه لا أخلاق ولا ضمير ، لا ستر ، ولا التزام في تطبيق الضوابط الشرعية وكأن لسان الحال يقول : إن الاختلاط بصورته الحالية لا يرضى عنه حتى من يؤيدون الاختلاط  في أجواء نظيفة.

ولا نريد أن نصل لمرحلة يكون فيها أن الأولى عدم الاختلاط لما ما عرف في الشريعة من باب سد الذرائع المفضية إلى الحرام.

لذلك علينا تصحيح المسار قبل أن تخرج الأمور من نصابها ، ونتخذ الوسائل اللازمة لتلافي المشكلات التي قد تنتج عن الاختلاط لأن الانجذاب بين الجنسين وارد في أي وضع من الأوضاع ومهما حاول الرجل والمرأة إنكار ذلك – والانجذاب قد يبدأ مشروعاً وينتهي بشيء غير مشروع ، فعلينا بداية توعية الشباب بالأحكام والضوابط الشرعية ، ومن تم تخصيص بوابات خاصة للطرفين في اللقاءات العامة ، والعمل على شكل مجموعات عمل لضمان عدم الخلوة ، والاستفادة من التكنولوجيا الحديثة في تقليل اللقاءات المباشرة مع التحذير من مخاطرها فهي كسلاح ذو حدين قد يكون له نتائج عكسية إذا لم يتم استغلاله  بشكل جيد .

عن إدارة الموقع

شبكة الثريا .. شبكة اجتماعية ثقافية أسرية .. نرتقي بثقافة الأسرة لأنها اللبنة الأساس في المجتمع الصالح .. نسعى لنشر المفاهيم الأسرية الناجحة من منظور إسلامي .. ونسعد بتواصلكم ..

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

ما حكم من بدل ذهبًا ملبوسًا بذهب جديد ودفع الفرق؟

الجواب:لا يجوز هذا؛ لا بدّ يشتري الذهب الجديد مستقلاً ثم يبيع الذهب القديم أو الردئ ...