الدين والحياةكتاب الثريا

القوامة في الإسلام

إعداد : نهال صلاح الجعيدي

يعد مفهوم القوامة من الموضوعات والقضايا الشائكة التي يبنى من خلالها الحكم على الإسلام ، بأنه يساهم في اضطهاد وضياع حقوق المرأة ، في حالة واضحة من محاكمة المنهج نتيجة لجهل المجتمع و سوء التطبيق ، فغالبا يستخدم مصطلح القوامة في مجتمعاتنا لتبرير استقواء الرجل على المرأة ونزع حقوقها ، طبقا للأعراف والتقاليد السائدة، و لإعلاء قيمة الرجل وتفضيله على المرأة ، وهذا منافي  لمفهوم القوامة في الإسلام ، فما هو تعريف القوامة ؟ وما هي شروطها  وحدودها ؟ .

هذا ما نسعى للوصول اليه من خلال هذه المقالة التي تعرف بالقوامة كأحد المفاهيم الإسلامية السامية، ليس بحثا عن الإلهاء والتبرير ، بل بغية التوعية والإصلاح و الإرشاد،  من أجل أسر إسلامية، متماسكة، يسودها العدالة بين حقوق وواجبات الرجل والمرأة، و تهدف لتوضيح الدور المكلف به كل فرد في هذه الحياة.

مفهوم القوامة :

القوامة في اللغة من قام على الشيء، يقوم قياما، ًأي حافظ عليه وراعى مصالحه ،وقيم المرأة هو زوجها أو وليها لأنه يقوم بأمرها وما تحتاج .

أما اصطلاحا، فهي ولاية الأمر، التي حددها الفقهاء، بالولاية على القاصر والوقف والزوجة ، والقوامة ليست بمعنى التفضيل ولكنها لبيان الدور والوظيفة والواجب ، والعجيب أنّ معنى القِوامة عند الكثيرين يُرادف معنى الحق الذي هو للرجل على المرأة، في حين أنّ معنى القِوامة في اللغة يشير بوضوح إلى الواجب الذي هو على الرجل تجاه المرأة، أي أنه حقّ المرأة وليس حقّ الرجل. أمّا حق الرجل فهو الأثر المترتب على قيامه بواجبه، وهو المردود المتوقّع نتيجة القيام بالوظيفة.

و القوامة الزوجية : هي ولاية الزوج على زوجته، بحيث يقوم على اصلاح شأنها بالتدبير والصيانة، لذلك فإن قوامة الزوج على زوجته هي تكليف له، وتشريف للزوجة، حيث يستوجب عليه رعايتها؛ لأنه ارتبط بها برباط شرعيّ، واستحل الاستمتاع بها بعقد وصفه سبحانه وتعالى بميثاقٍ غليظ، ليضمن حصولها على الطمأنينة والسعادة.

 القوامة في القرآن الكريم

قال تعالى: “الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ ۚ (سورة النساء34)”.

جاءت القوامة  ليبين المولى سبحانه وتعالى، دور الرجل، الذي يجب أن يكون قائما على شؤون بيته، من الرعاية وحسن المتابعة وحتى واجب الإنفاق ، ولكن بعض العلماء والمفسرين، كان لهم تفسير ظاهري و قراءة سطحية للآية الكريمة،  بهدف التقليص من دور المرأة وإنكار مكانتها التي حباها بها الله سبحانه وتعالى ولتمييز الرجل عليها.

من خلال البحث  وجدت أن  الكثير من المفسرين يأخذ بظاهر الآية وسرعان ما يبرزون تفوق الرجل على المرأة وأن الله وهبه وجعل فيه من محاسن الصفات مالم يجعله في الأنثى.

لا بل ويتوقفون كثيرا، عند قوله تعالى “بما فضل بعضهم على بعضهم”،  قائلين بأنه تفضيل وهبي، أي أن الله قد وهب الرجال من المميزات في الدنيا، بأن جعلهم من الأنبياء والرسل ومن السلاطين والحكام وأصحاب القرار في الطلاق والجهاد والغزو، ما فضلهم على النساء.

الا أن بعض المفكرين  كان له، تفسير آخر برأيي أنه أكثر اتزانا وواقعية ، لهذه الآية الكريمة  “بما فَضّل اللهُ بَعضَهُم على بعض“؛ فالرجل مُفضّل على المرأة، والمرأة مفضّلة على الرجل. ومعلوم أنّ الفضل في اللغة هو الزيادة.

ولا شك أنّ لدى الرجل زيادة شاءها الخالق الحكيم لتتناسب مع وظيفته، ولدى المرأة زيادة تتناسب مع وظيفتها. وعليه لا نستطيع أن نُفاضل بين الرجل والمرأة حتى نُحدّد الوظيفة ، ففضل الرجل أنتج واجباً، وفضل المرأة أنتج حقاً ، وإذا كان الرجل قوّاماً يؤدّي واجباته ويمارس وظيفته، فلا بد أن يقابل ذلك ما يُكافئه من الحقوق.

شروط القوامة :

جعل الله تعالى القِوامة للرجل على المرأة لأمرين أحدهما: موهبة من الله وهو العقل والتدبير والقوة لصونها و حمايتها،  والآخر مكتسب وهو الانفاق فالقوامة لا تتحقق إلا بالإنفاق فالرجل قوام على المرأة بما ينفقه، على أهل بيته وعياله ،  والكثير من الأسر المسلمة، للأسف، تشهد جبروت الأب وتسلطه، دون أن ينفق عليهم. ويعتبر أن ذلك التسلط حق شرعي، في حين أن هذا الحق يسقط إذا لم تكتمل شروطه.

المرأة والقوامة :

حينما نزل القرآن يعلن قوامة الرجل على المرأة، لم يأت بجديد مخالف للمألوف، بل كان ذلك اعترافاً بوضع قائم في ذلك المجتمع وفي غيره، وإعلانا لأسبابه كما يراها الإسلام، لذلك لم يحدث هذا الاعتراف ضجة، ولم يثر سخطًا، لأنه وضع متفق مع الفطرة نابع منها.

أما نزعة الثورة على قوامة الرجل فلم تعرف إلا في هذا العصر كنتيجة للثورة الصناعية التي فتحت للمرأة مجال العمل والكسب والاختلاط الحر، وكان الظن أن قوامة الرجل على المرأة راجعة إلى أنه المنتج الكاسب، وأنه متى أنتجت المرأة واكتسبت فلا حاجة لها إليه، ولا إلى قوامته.

موقف المرأة من القوامة :

هناك صنفان من النساء في التعامل مع مفهوم القوامة ، أما الصنف الأول صنف قانع وراض ومطمئن بها، والصنف الثاني هو متمرد يعتبرها سبب إذلال وشقاء.

أما الصنف الأول: وهن الصالحات القانتات الحافظات للغيب بما حفظ الله كما ذكرت الآية 34 من سورة النساء ، القائمات بحقوق الزوجية داخل البيت، الخاضعات للرجال فيما منحهم الله سبحانه وتعالي من حقوق في اتخاذ القرارات المفصلية التي تساهم في بناء أسرة مسلمة متماسكة  .

وأما الصنف الثاني: المتمردات الجاهلات الاتي يحكمن على القوامة من زاوية تطبيق المجتمع لها فهي بالنسبة لهن تسلّط الرجل ، وقهر للمرأة، وإلغاءٌ لشخصيتها ، ويحملن مسئولية ما يلحق بهن من شقاء وإذلال على يد الرجل للشرع ، و يعتبرن أن الإسلام حد من دورهن وتصرفاتهن و طموحهن عندما أعطى القوامة  للرجل .

إذن الخلاصة أن القوامة تعني السلطة مقابل المسؤولية، وهي قسمة منطقية عادلة ، فإن قصر الرجل فيما ينبغي عليه من القيام على شؤون المرأة أو التقصير في نفقتها دونما إعسار فليس له قوامة عليها بإجماع أهل العلم، وإن قصر في النفقة للإعسار خيرت المرأة عندئذ أن تبقى مع زوجها أو تفارقه.

لذلك لا يجب الوقوف عند الأعراف والتقاليد، التي عملت على بث ظواهر غريبة، عن الدين الإسلامي وأفرزت أجيال، لا تقر بمكانة المرأة  ودورها وحقوقها ومقارنة أفضليتها بالرجل، وتصر كل الإصرار، على أن جنس الرجل أفضل من جنس المرأة في حين أن الله، لم يفرق بينهما إلا بالتقوى وقد ساوى الحبيب صلى الله عليه وسلم بينهما، “النساء شقائق الرجال”، بل علينا تصحيح مفهوم القوامة عند الشباب و والأجيال القادمة ليتكامل المجتمع.

الوسوم
اظهر المزيد

إدارة الموقع

شبكة الثريا .. شبكة اجتماعية ثقافية أسرية .. نرتقي بثقافة الأسرة لأنها اللبنة الأساس في المجتمع الصالح .. نسعى لنشر المفاهيم الأسرية الناجحة من منظور إسلامي .. ونسعد بتواصلكم ..

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق