مقالات

تكَّةُ زِر..

تكة زر … للكاتبة: دعاء عمار

صفحتي على الفيسبوك مليئةٌ بالنساءِ اللواتي يعِشنَ واقعاً صعباً في الحياةِ، يواجِهنَ ذلك الواقعَ بطُرقٍ مختلفةٍ كلُّ واحدةٍ منها عن الأُخرى، بعضُهنَّ يحبُّ الشكوَى والبَوحَ بكُلِّ شعورِ قلَقٍ، أو شوقٍ، أو ضيقٍ، أو أذىً يمُرُّ بهنَّ في الحياةِ، وبعضُهنّ كتوماتٌ، قوياتٌ، يُمكِنُهنَّ رسمُ البسمةِ، وبثُّ الأملِ، واستكمالُ طريقِهنّ بشكلٍ أو بآخَرَ.

لكنّهن جميعاً يشترِكنَ في غيابِ السَّندِ، أزواجُهنَّ شهداءُ، أو معتقَلونَ، مُغيَّبونَ لسببٍ أو لآخَرَ، بعضُهنَّ يجِدنَ السَّندَ البديلَ في أبٍ، أو شقيقٍ، أو قريبٍ، وبعضُهن يواجِهنَ الأمرَ منفرداتٍ بقُدراتِهنَّ الذاتيةِ التي كانت فيهِنّ، أو طوَّرْنَها بعدَ ذلك؛ حتى لا يحتَجنَ أحداً، ولا يطلُبنَ المساعدةَ من قريبٍ أو غريبٍ.

سنواتٌ.. وأنا أتابعُ من أعرِفُ منهُنَّ بشكلٍ شخصيٍّ، أو عبرَ تلكَ الصفحاتِ فقط، وأنا على يقينٍ  أنهنَّ قبلَ المِحنةِ لسنَ كما بعدَها؛ لأنهنَّ بطريقةٍ ما قد أخذْنَ زمامَ الأمورِ بأيديهِنَّ، كلُّهنَّ في تلكَ الحالاتِ _حتى وإنْ لم يَشعُرنَ_ مرَرْنَ بتغيُّراتٍ نفسيةٍ؛ تتركُ أثراً كبيراً في شخصيتِها؛قد لا يوَدُّ معظمُ الرجالِ القبَولَ بها فيما بعدُ.

فتلكَ المرأةُ الهادئةُ المطيعةُ المُلبيةُ بسكونٍ، البشوشةُ الضعيفةُ بطبيعةِ النساءِ، المائلةُ لعَدمِ تَحمُّلِ أثقالِ الحياةِ؛ حقاً أو دلالاً على الرجلِ المتكفِّلِ بها، فإنها بسببِ كلِّ ما سبقَ ذِكرهُ لم تَعُدْ هي  ذاتُها، وحقيقةً لن تتغيرَ بعدَ ذلكِ بِتَكّةِ زِرٍ.

أصعبُ ما في ذلكَ التغييرِ لأولئكَ النساءِ؛ اللواتي كان أزواجُهنَّ لا يسمحنَ لهنَّ بالخروجِ من المنزلِ إلا معهم؛ حتى لو لزيارةٍ بسيطةٍ، للأزواجِ المتفاهمينَ، الأصدقاءِ وأصحابِ أسرارِ زوجاتِهم، مَن يشاركونَهم العبءَ البسيطَ في ذلكَ الوقتِ من الأولادِ، ومشاكلهم في آخِرِ الليلِ مع كوبٍ من الشايِ، وبعضِ الحلوَى، فيُمارِسنَ عادتَهنَّ الجميلةَ في الثرثرةِ، وبثِّ الهمومِ له، ثُم فُجأةً يختفي ذلك الصديقُ !

تلكَ المرأةُ تفقدُ كلَّ شيءٍ حولَها؛ ليس الزوجُ فقط، وتبدأُ بالاعتيادِ بصعوبةٍ بالغةٍ _ولن تعتادَ_ ولكنها تحاولُ أنْ تكونَ هي كلَّ شيءٍ لنفسِها  ولأولادِها على اختلافِ مراحلِهم العمريةِ، أنْ تكونَ هي المرأةَ والرجلَ للأُسرةِ؛ كي تحافظَ على اتزانِها وبقائها متماسكةً على ذاتِ الطريقِ السليمِ دونَ انحرافٍ أو تراجُعٍ.

لذا، فإنها مع ذلك العبءِ؛ كلّما كانت ناجحةً صامدةً أمامَك بعدَ انتهاءِ المِحنةِ؛ فهي امرأةٌ أخرى غيرَ التي كنتَ تَعرِفُ؛ أقرّتْ هي بذلكَ أم لم تَفعلْ، فأنتَ في أزمتِك كانت هي تُجابِهُ الكونَ كلَّه معك، وتتغيرُ كي تكونَ ذاتَ المرأةِ القويةِ التي طالَما كرَّرتَها على مسامعِها؛ وأنا بعيد، أو مسافر، أو مسجون، أو غيرُ ذلك من أسبابِ البُعدِ، وحتى لو كنتَ معها؛ لكنْ انشغلتَ عنها بأمورٍ أُخرى كثيرةٍ.

يمكنُ للمرأةِ أنْ تكونَ قويةً بطبيعتِها، ورقيقةً كذلكَ؛ لكنها كي تُجابِهَ كلَّ ما تمرُّ به من صعوباتٍ، وحين تَضطَّرُها الحياةُ لمواجهتِها منفردةً؛ فإنها تُخفي كلَّ ضعفٍ فيها ورِقّةٍ؛ كي لا تصبحَ سهلةَ المنالِ من أصحابِ النفوسِ الضعيفةِ، كي تكونَ لائقةً بكَ عندما تنتهي مِحنتُك، والأمرُ ليس بهذه السهولةِ، فهي لا شكَّ تشتاقُ لنفسِها وذاتِها دونَ كلِّ تلكَ المسئولياتِ على كاهِلِها.

لذا.. بعدَ كل ما مرّتْ به، لا تبدأْ بالشكوى كالأطفالِ، حتى وإنْ زاحمتْكَ بعدَ ذلكَ في أخذِ القرارِ، وإن لم تَعُدْ تهتمُّ بتواريخِ أعيادِ الميلادِ، والزواجِ، وكلِّ المناسباتِ التي كانت تغضبُ منكَ إنْ نسيتَها؛ فهي لم تنسَ بعدُ، ولكنْ كانت قد اعتادتْ أنْ تتناسَى؛ حتى لا تُشكّلَ لها كلُّ ذكرى ألَماً متحرّكاً في غيابِك، كُن صديقَها، واقبلْها كما هي، لأنها من المؤكَّدِ ستفرحُ بك وتَقبَلُكَ كما أصبحتَ بعدَ مِحنتِك.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى