كتاب الثريامجتمع وناسمدونات الثريا

غزة في زمن الكورونا

عايشت في سنوات عمري ثلاثة حروب، و عاصرت انقسام هلك الفلسطينيين، و تكيفت مع حصار فتك بغرة و أحالها إلى سجن كبير يضم اثنان مليون فلسطيني، وسمعت من أجدادي قصص و حكايات ضحايا الأوبئة التي عاصروها في زمانهم و أشهرها مرض الكوليرا الذي جاب فلسطين وفرق الكثير من العائلات من مناطق سكناهم في زمنهم. لا تزال ذاكرتي تحفظ أحاديث جدتي، و حقيقة رغم كل ذلك، فلم نشهد في تفاصيل حياتنا ما شهدته في زمن كورونا، حتى في أشد الحروب.

و للانصاف تركت كورونا آثارها على حياتنا بسلبياتها التي أنهت العام الدراسي قبل أوانه و تقنين حركة الحياة في كثير من المفاصل التي طالت المساجد و ذلك لدواعي صحية أقرها الأطباء مع المفتيين الشرعيين، و سلبت منا كورونا الاطمئنان و الاستقرار الذي كنا نعيشه رغم حصارنا.

و للحق كذلك فإن لحجر كورونا وجه مختلف غيَر حياتنا ورغم أن غزة خيبت ظن العالم و منظمة الصحة العالمية التي أقرت أن غزة لن تصلح للعيش الآدمي في العام 2020 إلا أنها كانت و لا تزال البقعة الأكثر أمانا في ظل  جائحة كورونا.

غيرت كورونا في حياتنا الكثير، على الصعيد الخاص والعام، وبات العودة لحياتنا الطبيعية التي كنا نعتقدها مملة أمنية نتلوها في صلواتنا و دعائنا، وما كنا نعتقده  ضرورة نصارع لأجله اكتشفنا أنه يمكننا الاستغناء عنه و العيش بدونه.

في الحجر الكوروني الغزي استغنى الناس عن تكاليف الزواج الباهظة فأصبحت تقام حفلات الزواج بلا صالات حسب قرار اللجنة الحكومية بغزة لمواجهة أزمة كورونا فلم يعد الزواج مكلفا كما كان قبل كورونا، و لم يعد هناك داعيا للتجمعات النسائية و فساتين السهرة التي قد تصل تكلفتها نصف راتب يتقاضاه موظف غزة، و استغنى الشباب عن حفلاتهم الصاخبة التي غالبا ما يستدين العريس ثمنها لأنها ليلة العمر، فيدفع ثمنها من راحة باله و استقراره.

ولأن المبرر كورونا فلا حرج في شيء، لم يعد هناك داع للخجل من إقامة إشهار أو ما يعرف ب(الصمدة) في البيت لا تتجاوز أفراد العائلة مستغنيين عن جميع رفاهيات الأفراح لنعود بالذاكرة إلى أفراح الثمانينات التي كانت تقام في البيوت بفرحة حقيقة بعيدة عن البهرجة و المغالاة و المحاكاة و الفشخرة الزائدة. و كما يقولون أعادتنا كورونا إلى أيام الزمن الجميل.

اكتشفنا أننا نستطيع العيش بدون الذهاب إلى المطاعم و المقاهي و الكافيهات و البحر و المتنزهات على محدوديتها مقارنة بالعوالم الأخرى غير (عالم غزة) الخاص بها و لم نشعر بضيق من ذلك السجن خشية على أنفسنا و نحن الذين قد نتذمر إذا لم ننل فرصة الخروج لضيق الحال و قلة ذات اليد، فالأمر هنا مختلف إنها كورونا.

اختلفت أولوياتنا في التسوق فأصبح الكلور و المعقم و الجل في أعلى قائمة التسوق قبل البدء بقائمة الطعام والشراب ولم يعد التسوق نزهة في احد المولات تخرج العائلة بأكملها للتسوق و الترفيه بل أصبح (مشوار سريع) في فترات متباعدة، و أصبح توفر العلاج للمريض في البيت أولى من شراء دجاجة، و عرفنا طريقنا إلى مقويات  المناعة خصوصا لأطفالنا و كبارنا و المريض الموجود بيننا فقد اختلفت أولوياتنا إنها كورونا.

وفي الحجر الكوروني الغزي قررت وزارة التربية والتعليم تعليق الدوام الدراسي للطلبة خشية على صحتهم فاختلف استقبال الأمهات لهذا الخبر فمنهن من اعتبرته فرصة للالتقاء بأبنائها و تطوير مهاراتهم، و اكسابهم معارف من كتب خارجية و ساهمن في حفظ أبنائهن للقرآن الكريم بالإضافة لمراجعة الدروس التي درسوها من منهاجهم،  ومنهن من امتعضت لمشاغبة أبنائها، فكان الشارع متنفس لهم على الرغم من مطالبة الحكومة و المسئولين بضرورة التزام الحجر المنزلي  وهناك من تفاعلن مع هذه المطالبات بمسئولية عالية وحجرن أبناءهن و ووضعن الخطط لهن و هناك من الأمهات من تركن أبناءهن لخططهم الذاتية التي لا تستوعب فكرة المكوث بالمنزل، ف(الشارع لا تصل إليه الكورونا) حسب فهمهم.

 وهناك من الأمهات من تفاعلن مع القرار في دعابة عبّرن بها عبر مواقع التواصل الاجتماعي بأن (احجروا أبناءنا في المدارس و نحن نأتي لزيارتهم)..

و أما الأمهات العاملات فقد تنفسن الصعداء للفرصة التي وجدنها رائعة للعيش مع أبنائهن بنفاصيل اليوم الكامل دون ضغط الاستيقاظ باكرا لترتيب البيت قبل الذهاب للعمل و إعداد وجبة الغذاء المفضلة أو تلك التي تختارها على عجل بناء على توفر مكوناتها في البيت.

وقد وجدت الأم هذه الإجازة فسحة لتنال جزء من الراحة في ساعة تستقطعها لنفسها دون عجلة تجهيز أبنائها للمدرسة، لترتشف فنجان قهوتها ساخنا على غير العادة.

وكان  الحجر الكورني فرصة لتصنع الأم العاملة فطائرها بروية على غير عجل تحشوها و تخبزها بحب و هي التي لم تسنح لها الفرصة في أيام دوامها لصنعها كما تريد لضيق الوقت.

و تضحك احداهن سأشكر كورونا التي جعلتني أصنع لوجهي قناع العسل و الحليب و الليمون الذي حفظته في جوالي في العام الماضي.

في الحجر الكوروني المنزلي تعيش العائلات تناقضات الحياة فبعض العائلات وجدت نفسها و حققت التواصل العائلي الذي لم تنله في رتم الحياة الاعتيادي نظرا لانشغالات أفرادها، و بعض العائلات تحولت فيها البيوت لعواصف و رعود بوجود الجميع طيلة النهار في البيت.

و مع نسمات رمضان الخير كان للحجر الكوروني المنزلي نكهة خاصة فباتت كل البيوت مساجد و كل الرجال أئمة، فإمامة الأب لعائلته له مذاق مختلف و سابقة لم تحدث قبل ذلك حتى في العدوان الصهيوني على قطاع غزة بثلاثته.

حملت إمامة الأب الكثير من القيم و التماسك و التراص الجسدي و المعنوي، و خلال التراويح التي يجتمع فيها أفراد العائلة يتخللها جلسات ذكر تارة، و لربما تناولوا خلالها مشروب الكركديه البارد، أو بعض من القطائف الرمضانية المحشوة باللبن أو القشطة أو المكسرات، يتناولون خلالها أطراف الحديث حول حياتهم الأسرية و لربما فتح نقاش انتهى بوضع حلول مُرضية لقضايا كانت عالقة في البيت منذ ما قبل كورونا لتجد طريقها إلى الحل، و تناولا أطراف الحديث بسخرية حول أفكار ترامب المجنونة في استخدام المطهرات و المعقمات كعقاقير بسخرية هي سيد الموقف.

وفي الحجر الكوروني المنزلي جلس أفراد العائلة يتصفحون مواقع التواصل ليجد أحد الأبناء هاشتاج (العدو الصهيوني الشقيق) الذي أطلقه مجموعة من المطبعين الخليجيين فاستنكروا حال العرب الذي وصلوا إليه تزامنا مع عرض مسلسل (أم هارون) التطبيعي الذي بات اسمه في الشارع الغزي (ام شارون) صاحب مجرزة صبرا و شاتيلا و التاريخ الدموي الأسود الذي صاحبه على مدار توليه حكومة (بني صهيون).

 اعتبر الأبناء في جلستهم (أم هارون) مُزيفة التاريخ و مطبعة الهوى و الهوية و المزاج و الضمير هي ومؤيديها و طاقم العمل و المتلقي الأجوف السطحي الذي يستقبلها كحقائق، و هي حقيقة لاقت رفضا كويتيا رسميا و شعبويا بينما استقبلتها السعودية مالكة (ام بي سي) لتمرر ثقافة التطبيع  الذي تنتهجه سياستها.

وفي الحجر الكوروني الغزي الرمضاني الذي حمل الكثير من العروض الساخنة من مسلسلات و برامج تفاجأ احد الآباء متابعة أبنائه لبرنامج يعرض على قناة (ام بي سي) يستضيف فيه المذيع احد الممثلين ليقوم بتعذيبه بطريقة مؤذية تنم عن شخصية سادية، و اختلف الأب مع أبنائه احدهم يؤكد أنه مجرد مشهد تمثيلي لأشخاص مدفوعي الأجر مسبقا و بينما يقول الآخر أن الضيوف لا يعلمون بالمقلب مسبقا و أنهى والدهم النقاش بقوله أيا كان ذلك فهو برنامج سخيف ينم عن سادية مقدمه و يعزز العنف للأسرة و أفراد المجتمع حيث يستمرء المُشاهِد العنف  الذي يعززه مقدم البرنامج مع ضيفه، فتبدو مألوفة لديه فلا يعد ينكرها في عقله الباطن، و بالتالي تظهر على سلوكه فيما بعد داعيا أبنائه لعدم مشاهدته. 

ولا شك أن الحجر الكوروني أثر على الكثير من النساء اللاتي قننّ الذهاب للتسوق الذي تعتبره الكثيرات منهن فرصة للتنزه و أصبح شراء الضروريات هو أولوية، فخدمت كورونا مجتمع الرجال مجانا دون مجهود يذكر و لا شك أن الجلسات النسائية المسائية لم يعد لها أثرا في ظل كورونا التي لابد وأن تضم لفتة همز أو غمر لتلك أو جملة تباهي أمام احداهن بنعمة أنعمها  الله عليها و كأنها من صنيعها، أو شكوى متعمدة من احداهن (خشية العين)، هكذا بعض النساء  فقد أجبرت كورونا النساء على الالتزام ببيتها فإنها كورونا.

و في عبارة ملفتة خرجت من فيه والد ألزمه الحجر المنزلي المكوث في البيت قال بتلقائية ضاحكا، في الحجر المنزلي عرفت أبنائي بأي صف  و عرفت بعض الأشياء التي يحبونها و التي يكرهونها، و استغربت كم كبر أبنائي، و أبدت احداهن سعادتها بالحجر المنزلي لزوجها الذي باتت تراه و تتحدث معه، و كما تصف (فضي للبيت) مش كله شغل شغل.

هذه بعض من تفاصيل حياة الحجر الكوروني الغزي حيث أصيب20  شخص بفايروس كورونا في قطاع غزة ، شُفي منهم تسعة و بقي خمسة حالتهم مستقرة وأصيب أمس الأربعاء ثلاثة آخرون من الموجودين في مراكز الحجر الصحي و جميعهم من الفلسطينيين القادمين من دول موبوءة و قد دخلوا إلى مراكز الحجر التي أعدتها حكومة غزة مسبقا منذ تفشي الوباء للحفاظ على أبناء الشعب الفلسطيني و كانت أولى الحالات لشيخين عادا من باكستان و قد شفيا تمام بعد مرور مدة الحجر و اتباع اجراءات السلامة و رفع المناعة و العقاقير المساعدة لتسكين الألم وخفض درجات الحرارة.

الوسوم
اظهر المزيد

إدارة الموقع

شبكة الثريا .. شبكة اجتماعية ثقافية أسرية .. نرتقي بثقافة الأسرة لأنها اللبنة الأساس في المجتمع الصالح .. نسعى لنشر المفاهيم الأسرية الناجحة من منظور إسلامي .. ونسعد بتواصلكم ..

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق