تقارير

اكسِروا نمطيتَكم.. فأنتم أسيادُ قرارِكم!

اكسِروا نمطيتَكم.. فأنتم أسيادُ قرارِكم! .. للكاتب: اسماعيل الثوابتة

يُحكَى أنّ نسراً كان يعيشُ في إحدى الجبالِ؛ ويضعُ عشُّه على قمّةِ إحدى الأشجارِ العاليةِ؛ وكان عُشُّ النسرِ يضمُّ أربعَ بيضاتٍ؛ ثُم حدثَ أنّ هزّ زلزالٌ عنيفٌ الأرضَ؛ فسقطتْ بيضةٌ من عشِّ النسرِ؛ وتدَحرَجتْ إلى أنْ استقرّتْ في قنٍّ للدجاجِ؛ وظنتْ الدجاجاتُ بأنّ عليها أنْ تحميَ وتعتنيَ ببيضةِ النسرِ هذه.

تطوّعتْ دجاجةٌ كبيرةٌ في السنِّ للعنايةِ بالبيضةِ حتى تفقسَ، وفي أحدِ الأيامِ فقستْ بيضةُ النسرِ إياها؛ وخرجَ منها نسرٌ صغيرٌ جميلٌ، ولكنّ هذا النسرَ بدأ يتربَّى ويترعرعُ على أنه دجاجةٌ، وأصبح يفهمُ أنه ليس إلا دجاجةً ودجاجةً فقط.

وفي يومٍ ما، كان يلعبُ النسرُ الصغيرُ في ساحةِ قنِّ الدجاجِ؛ فشاهدَ مجموعةً من النسورِ تحلّقُ عالياً في السماءِ؛ فتمنّى هذا النسرُ لو يستطيعُ التحليقَ عالياً مِثلَ تلكَ النسورِ؛ لكنه قُوبِلَ بضحكاتِ الاستهزاءِ من الدجاجِ قائلةً له: ما أنت سِوى دجاجةٍ؛ ولن تستطيعَ التحليقَ عالياً مثلَ تلكَ النسورِ!

بعدَها توقّفَ النسرُ عن حُلمِ التحليقِ في الأعالي، وآلَمَه اليأسُ، ولم يلبثْ أنْ ماتَ مقهوراً؛ بعدَ أنْ عاشَ حياةً طويلةً ذليلاً كأنّه دجاجةً!

هذه القصةُ القصيرةُ؛ للأسفِ الشديدِ تنطبقُ على حالِ كثيرٍ من الناسِ حولَنا، هؤلاءِ المساكينُ الذين يمتلكونَ مقوماتِ النجاحِ والإبداعِ؛ غيرَ أنهم سرعانَ ما يتأثرونَ بالبيئةِ السلبيةِ القاتلةِ التي تحيطُ بهم، فيُقتلُ عندَهم الإبداعُ والتميّزُ، ويقضونَ حياتَهم كالدجاجِ.

قبلَ وصولِنا إلى عصرِ التكنولوجيا الرقميةِ، وقبلَ هذا الانفتاحِ الرهيبِ الذي جعلَ العالمَ قريةً صغيرةً؛ كان الاحتكاكُ المباشرُ فيما بين الناسِ يصبغُ الشخصيةَ بعاداتٍ وتقاليدَ وأعرافٍ؛ يجعلُ منها شخصيةً نمطيةً تسيرُ على نسقِ وقالبِ مَن سبَقوها، ولكنْ مع الانفتاحِ التكنولوجيّ، وانتشارِ وسائلِ الاتصالِ الحديثةِ؛ بات كثيرٌ من الناسِ يُكسِّرونَ تلكَ الحدودِ النمطيةِ، ويرسمونَ نجاحَ طريقِهم كحياةِ الناجحينَ الذين يتصفحونَ سيرَهم، فأصبحتْ تلكَ الوسائلُ تلعبُ دَورًا مُهمّاً في تنميةِ القدراتِ نحوَ الإبداعِ والتميّزِ والانسلاخِ عن الشخصياتِ المُقلوبةِ.

يبدو أنّ شغفَ بعضِ الناسِ نحوَ قتلِ الإبداعِ عندَ الآخَرينَ؛ يفوقُ بسنواتٍ ضوئيةٍ شغفَ البحثِ عن نجاحِهم أنفسِهم في حياتِهم العمليةِ؛ وبالتالي علينا أنْ نُدركَ بأننا إذا ركَنّا إلى واقعِنا السلبيّ؛ فإننا سنصبحُ أسرى له تماماً، أمّا إذا كُنا نَعلمُ في ذواتِ أنفسِنا أنّ لنا أحلاماً جميلةً؛ فإنه لا ينبغي علينا إلّا أنْ نَمضي قُدماً في تحقيقِها، والتي _بطبيعةِ الحالِ_ ستَنقلُنا من واقعٍ إلى واقعٍ أكثرَ جمالاً وراحةً وسعادةً.

يجبُ ألّا نسمحَ لأنفسِنا؛ ولا لِمن يدورُ حولَنا؛ بأنْ يعكسَ سلبيّتَه المَقيتةَ على حياتِنا وجمالِها، فلا تسمحوا لأولئكَ الذين يحاولونَ أنْ يُثبِّتوا فيكم روحَ الهزيمةَ واليأسِ والإحباطِ؛ بل ويسعَونَ إلى قتلِ طموحِكم؛ لأنكم _ببساطةٍ_ أنتم أسيادُ قرارِكم، وأنتم من يرسمُ طريقَ النجاحِ لأنفسِكم، وأنتم من يُطلقُ العنانَ لإبداعاتِكم وليس غيرَكم.

ستبدو الحياةُ جميلةً؛ إذا أطلقتُم لها عنانَكم، وستبدو مَقيتةً إذا خنَعتُم لسلبيةِ غيرِكم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى