فلسطين تجمعنافلسطينياتكتاب الثريامدونات الثريا

بعدَ اثنين وسبعين عاماً لم ينسَ الصغار ولم يتحقق حلم رابين

قالوا “سيموت الكبار و ينسى الصغار”، بعد اثنينِ و سبعين عاما هل حقا نسي الصغار أم ورثوا من كبارِهم التاريخ و القضية و المفتاح و البندقية….

لقد أرضعتهم أمهاتُهم حبَّ الوطنِ و العودةِ مع كل قطرة حليب، وسلًّمهم أجدادُهم مفتاح الدار، فصنعوا منه صاروخاً زعزع أمن “إسرائيل” حتى يعودوا إلى ديارِهم.

قالوا سينسى الصغار، لكن عشق الأرض ينتفضُ مع كل نبضةِ قلبٍ لكلِّ فلسطيني، فيتنفسون أملَ العودةِ مع كل شهيقٍ وزفير، و ينتظرونه مع كلِّ إشراقة صباح.

اثنان و سبعون عاماً لم ينسَ فيها الفلسطينيون حقهم في العودة إلى ديارِهم السليبة حيث استيقظَ الفلسطينيون – عام ثمانية وأربعين- على لونِ الدماء الذي روَّى تُراب أرضِهم، وفاحت رائحة الموت من كل مكان ودمر الاحتلال منها زهاء خمس مائة وواحد وثلاثين قريةً ومدينةً، لم يرحموا طفلاً و لا امرأةَ و لا كهلاً، واقترفت قوات الاحتلال أكثر من سبعين مذبحةٍ أدَّت إلى استشهاد ما يزيد عن خمسة عشر ألف فلسطيني خلال فترة النكبة، وشُرِّد زهاء ثمان مائة ألف فلسطيني من قراهم، ومدنهم إلى الضفة المحتلة وقطاع غزة والدول العربية المجاورة.

لم تنجح مقولة “بن غوريون” ولا توقعاته، فلم ينسَ الصغار أرضهم بل حفروا حقَّ العودة في قلوبهم وعقولهم، و باتت حلم الجنين في بطن أُمِّه، قبل أن تكون حلم من رأى الحياة بعينيه، وسنعود يوماً، و إن طال الأمد، فلن يضيع حق وراءه مطالب هذا الحب الذي رأيته في عيون أطفال فلسطين.

فمن خلال عملي في الصحافة أجريت العديد من المقابلات مع فئة الأطفال و بادرتهم بالسؤال إذا كانوا يقبلون التعويض بالمال أو التوطين في أماكن أخرى مقابل عدم العودة إلى ديارهم، لم أتفاجأ حقيقة بكمية الوعي والوطنية والحب الذي ملأ عقولهم وقلوبهم وكلماتهم التي كانت واضحة وجلية بأن لا مساومة على حق العودة ولن يقبلوا بأي بديل عن وطنهم.

 كان إجماع حَرفي وعقَدي وسلوكي وكأنهم درسوا ذات المَنهج وحفظوا ذات الكلمات عن ظهر قلب، مع اختلاف أعمارهم وأماكن تواجدهم، لكن حب الوطن لا يتجزَّأ ولا يعتمد على فئة عمرية معينة أو شريحة بعينها، ولا يعتمد على توزيع جغرافي محدد.

 إنه الحب الذي يغرسه الوالدان في أبنائهم منذ نعومة أظفارهم فينشئو عليه و يكبروا على ذات الفهم بأن لا بديل عن الوطن سوى العودة إلى الوطن، فلا مال يُغري عقولهم و لا أماكن بديلة و أوطان أخرى تملأ عيونهم و أرواحهم، هذه القناعات التي لديهم لم تنشأ من عبث ولا من فراغ بل من جهد بدأ من المدرسة وامتد إلى المسجد والمدرسة والأماكن الثقافية ومراكز العلم المختلفة التي جعلت من ثقافة العودة منهاجا موحداً لم يؤثر عليها انقسام أو حصار أو احتلال.

هذه التربية والثقافة التي انعسكت على تفاصيل حياة الفلسطينيين تجدها في تسمية أبنائهم بأسماء الوطن السليب ففي كل بيت فلسطيني هناك (صفد، و كرمل، وجنين، هناك ثورة وانتفاضة وصمود، وسلاح، وإيلياء).

حتى أسماء شوراعنا و مدارسنا و مستشفياتنا لم تخلُ أي منها من أسماء بلدتنا المحتلة فتجد (عيادة حيفا، ومدرسة الكرمل، وشارع يافا).

تكاتفت الأدوار بين جميع المؤسسات لتُبقي على ثقافة العودة في شتى التفاصيل و لتخلق جيلاً لم ينسِه التطبيع و التخاذل العربي حقه في العودة إلى بلاده، و لم ترهبه صفقة قرن ولا سياسات الدول العظمى أو توهن إرادته إنما جميعها كانت دوافع قوة لابتكار أساليب جديدة صنعها الفلسطينيون للدفاع عن حقهم في العيش و في العودة إلى ديارهم رغم الحصار وتواطؤ القريب و الغريب على القضية الفلسطينية لكنها لم تَفُت من عضُدهم بل كانت صواريخهم شامة عز على جبين كل عربي، عبّرت عنها الشعوب العربية المكممة بالصوت والصورة .

و أخيرا بعد اثنين وسبعين عاماً لم ينسَ الصغار، ولم يتحقّق حلم “رابين” حينما قال” أتمنى أن استيقظ من النوم وأجد غزة قد ابتلعها البحر”، و لم تتحقق أمنية “جولدا مائير” التي كانت تقول:” كل صباح أتمنى أن أصحو ولا أجد طفلاً فلسطينيا واحدا على قيد الحياة”.

هؤلاء الصغار باتوا رجالاً دكَّت صواريخهم “تل أبيب” وأدخلت الصهاينة في الملاجئ، وعاثت في قلوبهم الرعب ولا يزالون يُدرِّسون ما ورثوه عن أجدادِهم لأبنائهم الصغار ليسيروا على ذات الدرب.

اظهر المزيد

إدارة الموقع

شبكة الثريا .. شبكة اجتماعية ثقافية أسرية .. نرتقي بثقافة الأسرة لأنها اللبنة الأساس في المجتمع الصالح .. نسعى لنشر المفاهيم الأسرية الناجحة من منظور إسلامي .. ونسعد بتواصلكم ..

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى