مقالات

الأمهات بين المغرم والمغنم

الأمهات بين المغرم والمغنم.. للكاتبة: سميرة نصار

 “مبارك  في حمل”   كلمةٌ بألوانِ الدنيا؛ ضحكتْ  وبكتْ العينُ لأجلِها   ، تضعُ يدَها  بلُطفٍ تلقائياً على بطنِها؛  وكأنها ترسلُ عباراتِ الترحيبِ لهذا المخلوقِ الصغيرِ؛ وتبدأُ رحلةُ المَغرمِ والمَغنمِ  لتلكَ المرأةِ  صاحبةِ المعجزةِ،  فكُلُّ صرخةِ حياةٍ لمولودٍ مُعجزةٌ من معجزاتِ اللهِ في أرضِه؛ بعدَ انتهاءِ عصرِ المعجزاتِ النبويةِ .

ومع الصرخةِ الأولى لحياةِ  ذاكَ المخلوقِ  الجديدِ، ومن وسطِ عالمِ الأوجاعِ، لأجْلِ خروجِ الروحِ ذاتِ الطيفِ السعيدِ؛ ترفعُ رأسَها المُثقلَ بكلِّ الأفكارِ  والهواجسِ عن شكلِه ، لونِه ،سلامتِه؛   “فرجوني إياه”  لترَى زهرةً من زهراتِ عُمرِها  قد تفتحتْ اليومَ ،فتعشقُ الدنيا ، وتخافُ على حياتِها وسلامتِها لأجلِه ، تبدأُ تخاطبُه  “أحببتُك قبلَ أنْ أراكَ ؛عَشِقَكَ قلبي قبلَ عيني يا ابنَ روحي أنتَ ؛ تجاوزتُ الخَطبَ لأرى ابتسامةَ محيّاكَ؛ لكي تبقى شمسُ يومي دونَ مغيبٍ” .

وتبدأُ ترقُبُه في نهارِه وليلِه ، في صحوتِه ونومِه ، في صحتِه وسقمِه ، تتمنَّى مراراً أنْ ينتقلَ المرضُ لجسدِها من جسدِه السقيمِ ، فقلبُها المحِبُّ المُعذَّبُ  لم يَعُدْ يحتملُ ..

تسهرُ الليالي التوالي لتُهدهِدَ آلامَه، تغازلُ النومَ لكي يطلَّ ولو بِطلَّةٍ واحدةٍ على جفنَي زهرتِها الذابلةِ،  تخُطُّ الليالي خطوطَها على وجهِها؛ فلا تأبَه لإرهاقٍ  أو شحوبٍ يظهرُ في مرآتِها ، فكلمةُ “ماما” غاليةٌ ، ففي أولِ مرةٍ خرجتْ من بينِ شفتيهِ؛ كادت تلُفُّ العالمَ لتُخبِرَه أنّ زهرتَها همسَ “ماما”!  خبرٌ عاجلٌ على مجموعاتِ الأصدقاءِ والزملاءِ والعائلةِ؛ ليشاركوها  فرحةَ هديةِ اللهِ لها.  ومع أولِ سنٍّ يبرُزُ بينَ فكَّيهِ ، وأولِ حركاتِ الحَبوِ، وأولِ خطوةِ مَشيٍّ؛ تشعرُ بقوةِ  المعجزةِ التي أوجدَها اللهُ بينَ يدَيها.

وحينما  تفكرُ أنْ تُلحِقَه برياضِ الأطفالِ؛  تُهروِلُ جاهدةً مستفسرةً أيُّها أفضلُ؛ لكي أستودِعَ زهرتي بينَ أركانِها ، و تتعدّدُ الاستفساراتُ  لتتجلّى كلُّ التفاصيلِ أمامَها.

تعيشُ معه فرحةَ الانضمامِ  لمنظومتِه الجديدةِ،  ويصعُبُ على قلبِها  اليومَ الأولَ ” أول مرة تبعد عني يا ضَي العين “. 

وحينما يعودُ بطلُها فيستعرضُ  إتقانَه للحروفِ، والأرقامِ، والكلماتِ،  والأناشيدِ،  والآياتِ القرآنيةِ ، كلُّ يومٍ فرحةٌ مع كلِّ مهارةٍ  أو مكسبٍ معرفي .

وتكبَرُ زهرتُها سنةً بعدَ سنةٍ؛  ليكونَ من أحدِ روّادِ المدارسِ؛  ليخوضا معا  معاركَ الكرِّ والفرِّ مع  المناهجِ المدرسيةِ، و الامتحاناتِ، والمسابقات،  فهي الشريكُ الحقيقُ  في التعبِ والفوزِ .

تتباهَى بين قريناتِها بمكاسبِه ،بدرجاتِه  مواهبِه وقدراتِه  ، مع أنها تذوقُ صنوفَ التعبِ من عنادِه أحياناً، ومن تقلُّبِ مزاجِه أحياناً أخرى؛ ولكنّ قلبَها يغفُلُ عن كلِّ هذا؛ وذلكَ  أمامَ مكاسبِ بطلِها المُتيَّمِ.    ويمُرُّ العمرُ سنةً بعدَ أخرى، ويزيدُ الحبُّ والخوفُ على زهرتِها؛ من نفسِه  ومّمن حولَه؛ فتحاولُ جادّةً أنْ تكونَ الصديقةَ التي يضعُ في جرابِها كلَّ متاعبِه وأمنيّاتِه  ،مخاوفِه وسعادتِه ، تتمنى أنْ تكونَ  صاحبةَ القوةِ الخارقةِ؛ لتجعلَ حياتَه ورديّةً لا يشوبُها نقصٌ ، ولِتَجمعَ كلَّ السعادةِ لقلبِه .

تسكُبُ دموعَها في سجودِها؛ وهي تضعُ دعواتِها وأمنيّاتِها  له بينَ يدَي اللهِ؛  في سنَتِه المفصليةِ  الثانويةِ العامةِ (التوجيهي)؛ تَحْيَى  معه العامَ  بتفاصيلِه المقيتةِ،  وتبلغُ فرحتُها عنانَ السماءِ؛  وهي تُلبِسُه تاجَ التفوقِ ، وتتلقَّى التهاني به؛  وكأنها لم تفرحْ من قبلُ..

ويصعدُ بقدمِه أولَ درجةٍ على سُلّمِ الحياةِ الجامعيةِ؛  فتتنفّسُ  الصعداءَ؛ وتهمسُ في لُبِّه “خرجنا من عُنقِ الزجاجةِ بطلي  ، القادمُ أيسرُ وأحلَى،  اجعلني دوماً الفخورةَ بك ، اجعلني دائماً أستنشقُ عبيرَ تميُّزِك “.

ليَصدُقَ الوعدُ؛  ولتُصبحَ  تلك الجادّةُ الحانيةُ الأقربَ من موسمِ  المغنمِ  والحصادِ، فالمغرمُ كان ثقيلاً طويلاً .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى