تقارير

المرأةُ المقدسيةُ جسّدتْ صوَرَ الحبِّ والرباطِ عبرَ باحاتِ الأقصى

شغفٌ مَقدسيٌّ بامتيازٍ

سطرت المرابطاتُ المَقدسياتُ أجملَ صوَرِ الدفاعِ والصمودِ عن باحاتِ المسجدِ الأقصى؛ فلم يُبعِدْ واحدةً فيهنَّ قراراتُ الإبعادِ، والتحقيقاتُ الطويلةُ، والاعتداءاتُ المستمرةُ؛ فكلُّ هذه الإجراءاتِ زادتْ من تعلُّقِهِنَّ به، والبقاءِ بجانبِه لتلَقّي وتعليمِ القرآنِ وعلومِه، والمحافظةِ على هويتِه وقداستِه، فضربْنَ أجملَ وأروَعَ النماذجَ في الدفاعِ عنه.

العشرينيةُ “بيان الجعبة” فتحتْ عينَيها على باحاتِ المسجدِ الأقصى؛ فبَيتُها لا يَبعدُ سِوى أمتارٍ قليلةٍ عن المسجدِ الأقصى؛ فقد قضتْ طفولتَها داخلَ زوايا وثنايا المسجدِ؛ فهو المنزلُ والمدرسةُ وساحةُ اللعبِ المفضّلةُ، فحفظتْ زواياهُ وحجارتَه عن ظهْرِ قلبٍ.

تعرّضتْ “بيان” للاعتداءِ والتحقيقِ من قِبلِ المحتلِّ الإسرائيلي أثناءَ تغطيتِها للأحداثِ البشعةِ التي يرتكبُها الجنودُ الإسرائيليونَ بحقِّ المَقدسيّينَ المرابطينَ والمُصلّينَ؛ فهي توَثّقُ الأحداثَ أوّلاً بأوّلٍ؛ وتنشرُها عبرَ مواقعِ التواصلِ الاجتماعي .

خطبتْ “بيان”.. وكان القرارُ الأولُ لها ولخطيبِها؛ أنْ تبدأَ حياتُهما الجديدةُ وعقدُ قرانِهما من “بوابةِ السماءِ” المسجدِ الأقصى المبارك، تقولُ بيان: كان من أجملِ القراراتِ التي اتّْخذناها أن بدأنا حياتَنا محفوفةً بِبَركاتِ الأقصى؛ لأنّ بركاتِه ستبقَى تحيطُ بنا أينما كنا، لقد اخترْنا عقدَ قرانِنا في الأقصى؛ بِنيَّةِ الرباطِ والدفاعِ عنه ضدّ كلِّ محاولاتِ الاحتلالِ الهادفةِ للسيطرةِ عليه وتقسيمِه، فالأقصى بالنسبةِ لنا عقيدةٌ ودِينٌ وقضيةٌ؛ نعيشُ من أجلِها، ونحن مستعدّونَ أنْ نفديهِ بأغلَى ما نملكُ”.

ورُزقتْ “بيان” بطفلتِها الأُولى؛ فأرادتْ أنْ تَحُفَّها البرَكةُ من ذلكَ المكانِ المقدّسِ؛ فبعدَ خروجِها من المستشفى؛ جعلتْ زوجَها يأخذُ ابنتَها لزيارةِ المسجدِ الأقصى؛ ليكونَ أوّلَ مكانٍ زارتْهُ طفلتُها.

“تهاني الحسيني”؛ مَقدسيةٌ أصيلةٌ؛ مرابطةٌ صامدةٌ في وجهِ المحتلِّ؛ تلقّتْ الدروسَ والعلومَ في المراحلِ الابتدائيةِ والثانويةِ؛ تحتَ قبّةِ مدرسةِ الأشرفيةِ الواقعةِ في الجهةِ الغربيةِ للمسجدِ .

كبرتْ “تهاني”  وهي ترى الإهاناتِ التي يتعرّضُ لها كلُّ مَن تخطو قدَمُه المسجدَ الأقصى؛ فقد نالت منها عِصيُّ جنودِ الاحتلالِ أثناءَ مرورِها من بواباتِه في طريقِها لمدرستِها، وكان الاحتلالُ يَحولُ بينَها وبينَ مقعدِها الدراسي في أحيانٍ كثيرةٍ؛ بعدما يُغلِقُ البواباتِ في وجهِها.

تعرّضتْ “تهاني” لسبعةِ اعتقالاتٍ؛ حيثُ تمَّ احتجازُها عندَ بابِ الرحمةِ، وتمَّ احتجازُها والتفتيشُ المهينُ لها، والتحقيقُ يستمرُّ لساعاتٍ طوالٍ؛ ورغمَ كلِّ ذلك لم تتوقّفْ معاناتُها؛ حيثُ صدرَ قرارٌ بحقِّها بالإبعادِ عن مدرستِها والمسجدِ الأقصى؛ ومُنعتْ من المرورِ من أبوابِ الأقصى ما عَدا بابَ السلسلةِ، وتمَّ حظرُ دخولِها الأقصى أكثرَ من ساعاتِ الدوامِ الدراسي؛ وإلّا فسيتِمُ تغريمُها مالياً.

لم تيأسْ “تهاني” يوماً في الدفاعِ عن المسجدِ؛ برغمِ ما يُمارَسُ عليها من عنفٍ واعتداءٍ وحظرٍ؛ فهي تقاومُ وتدافعُ من بُعدٍ، وتنشرُ عبرَ صفحاتِها عن أهميةِ الدفاعِ عن المسجدِ الأقصى، وتطهيرِه من دَنسِ المحتلِّ؛ فهي تشجّعُ الجميعَ على ضرورةِ الدفاعِ عن باحاتِ الأقصى؛ حتى يتمَّ تحريرُه من الأيادي النجسةِ التي تحاولُ طمْسَ هويتِه وتاريخِه.

المرابطةُ “هنادي حلواني” تعرّضتْ لأقسَى أنواعِ الاعتداءِ والضربِ والإهانيةِ من قِبلِ المحتلِّ الإسرائيلي؛ وبرغمِ ذلك يزيدُ حبُّها وتعلُّقُها بالمسجدِ الأقصى؛ فقد نذرتْ نفسَها لخدمتِه وتدريسِ العلمِ للطلابِ والسيداتِ في ساحاتِه، فدبَّ الخوفُ والرعبُ في  العدوِّ؛ وازدادَ غيظاً؛ وقرّرَ أنْ يزيدَ من قراراتِ الإبعادِ لمسجدِها؛ فرابطتْ على بواباتِه؛ وأقامتْ الصلاةَ على عتباتِه؛ فاستشاطَ العدوُّ غيظاً؛ مُصدِراً قراراً ثانياً بإبعادِها عن بواباتِه والأروِقةِ المؤدّيةِ إليه.

تقول:” إصراري على البقاءِ طوالَ اليومِ على بواباتِ المسجدِ الأقصى؛ دفعَهم إلى إصدارِ قرارٍ ثالثٍ بإبعادي عن البلدةِ القديمةِ، والأروِقةِ، والطرُقِ المؤدّيةِ للأقصى.

تضيفُ:” تلقّيتُ عدداً كبيراً من قراراتِ الإبعادِ عن المسجدِ الأقصى؛ ثلاثةَ قراراتٍ منها كانت في شهرِ رمضانَ المباركِ وحدَه؛ شملتْ إبعادي عن المسجدِ ومحيطِه والبلدةِ القديمةِ، وما إنْ ينتهي قرارُ إبعادي عن المسجدِ الأقصى؛ حتى يُعقِبَه الاحتلالُ بقرارٍ جديدٍ بعدَ عدّةِ أيامٍ، أو بعدَ بضعةِ ساعاتٍ أحياناً.

تقولُ :”سأبقى أنا وأخواتي المُبعداتُ مرابطاتٍ على بواباتِ الأقصى وعتباتِه صيفاً وشتاءً، وفي كلِّ الظروفِ، ولن نتراجعَ، ولن نستسلمَ؛ فنحن أصحابُ الحقِّ والأرضِ، ولن نتركَ المسجدَ؛ ونجلسَ في بيوتِنا؛ بل سندافعَ عنه.. فأرواحُنا وأولادُنا فداءٌ له.

وتَصِفُ “حلواني” قراراتِ الاحتلالِ بإبعادِها عن الأقصى بالظالمةِ، والتي تنتهِكُ أدنَى حقوقِ الإنسانِ التي كفلتْها القوانينُ الدوليةُ؛ وهو الحقُّ في العبادةِ، موَجّهةً رسالةً للعالمَينِ العربيّ والإسلامي؛ تذكِّرُهم بواجبِ النصرةِ والمساندةِ للمسجدِ الأقصى ومدينةِ القدسِ.

نهلة صيام (30 )عاماً، من حيِّ “سلوان”، ترَعرَعتْ وسطَ عائلةٍ تعشقُ القدسَ، وزرعتْ في أولادِها التمسُّكَ بالقدسِ والدفاعَ عنها، كبرتْ وقلبُها متعلّقٌ بباحاتِ المسجد الأقصى؛ فكانت من المرابطاتِ التي يدافِعنَ عنه .

تشهدُ شجرةُ الزيتونِ العتيقةُ على ترتيلِ القرآنِ بصوتِ “نهلة”؛ فتَحتَ ظلالِها كان لكتابِ تفسيرِ القرآنِ الكريمِ، وأحكامِ تجويدِه  رونقُه الخاصُّ، والاستمتاعُ بعظمتِه ورحمتِه، فكانت هي وصديقاتُها تُوصِلُ رسالةَ صمودٍ وإصرارٍ على البقاءِ والتمسّكِ للمسجدِ الأقصى .

تعرّضتْ “نهلة” للتحقيقاتِ والاستدعاءاتِ الإسرائيليةِ، والإبعادِ عن المسجدِ الأقصى، فتقولُ :”تسلّمتُ قراراً عامَ (2014) بالإبعادِ عن الأقصى لمدّةِ (42) يوماً، وما إنْ انقضتْ المدّةُ؛ حتى تلقّيتُ تهديداً _عبرَ الهاتفِ_؛ يحذّرُني من التواجدِ في الأقصى؛ فلم أستجبْ؛ وتمّتْ مداهمةُ منزلي في الثانيةِ فجراً؛ وقلَبوا البيتَ رأساً على عَقبٍ.

وتتابعُ في سردِ معاناتِها من قِبلِ المحتلِّ: فلم يتوانَى عن مداهمةِ منزلِها، والتربُّصِ لها، وتوقيفِها عندَ بواباتِ الأقصى مرّتينَ عامَ (2015)م، قبلَ أنْ يتمَّ اعتقالي في العامِ ذاتِه، ويُصدرُ قراراً جديداً بالإبعادِ عن الأقصى لمدّةِ (90) يوماً، وتمَّ دخولُ اسمي عبرَ القائمةِ السوداءِ التي تَحوي أسماءَ الذين يتمُّ منعُهم من دخولِ الأقصى.

لم تستسلمْ “نهلة”، ولم ترفعْ الرايةَ البيضاءَ؛ فرابطتْ على بواباتِ الأقصى؛ وسجدتْ على عتباتِها؛ فعادَ جنودُ الاحتلالِ ليداهموا بيتَها من جديدٍ؛ وعاثوا فيه خراباً؛ ثُم اقتادوها بالقوةِ وزَجّوا بها في سجنِ “هشارون”؛ بتُهمةِ التحريضِ على العنفِ؛ قبلَ أنْ يتمَّ تحويلُها إلى الحبسِ المنزلي، والإبعادِ عن الأقصى مجدَّداً لمدةِ (15) يوماً مع دفعِ كفالةٍ ماليةٍ.

وما زالت “نهلة” ضِمنَ قائمةِ الممنوعينَ من دخولِ المسجدِ الأقصى في الأوقاتِ التي يتعرّضُ فيها المسجدُ وباحاتُه لاقتحاماتِ المغتصِبينَ.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى