مجلة السعادة

التعليمُ المِهني يفتحُ أُفقاً مستقبليةً أمامَ الشبابِ

الشبابُ يَهجُرونَ التعليمَ المِهني

يُعَدُّ التعليمُ المِهني في المرحلةِ الثانويةِ أحَدَ روافدِ التعليمِ في فلسطينَ؛ لإسهامِه في توفيرِ مُخرَجاتٍ بشريةٍ تمتلكُ المهاراتِ التي تُمكِّنُ أصحابَها من إحداثِ تغييرٍ إيجابيّ ومميَّزٍ تُجاهَ تطويرِ المجتمعِ، وإحداثِ التنميةِ، وتطويرِ الصناعةِ، وتلبيةِ متطلّباتِ واحتياجاتِ سوقِ العمل.
فنَجِدُ الشبابَ في حيرةٍ من أمرِهم في اختيارِ تخصُّصٍ يفيدُهم في حياتِهم، ويعتقدُ كثيرٌ منهم أنّ التخصُّصاتِ المهنيةَ أقلُّ شأناً من الدراسةِ الأكاديميةِ، ولا يرَونَ فيها بريقَ الشهادةِ الجامعيةِ؛ لِذا نراهم قد هجَروا التعليمَ المِهنيّ؛ ولجأوا إلى الدراسةِ الجامعيةِ.. فهل هم على صوابٍ؟

الطالبُ “يوسف المدهون”؛ التحقَ بتخصُّصٍ بالتعليمِ المِهني؛ ودرسَ تخصُّصَ كهرباءِ سياراتٍ؛ فكان قرارُ والدِه الذي رأى فيه تعلُّقَه بالسياراتِ، والقدرةَ على صيانةِ بعضِ الأجهزةِ؛ فتشجّعَ للفكرةِ واختارَ التعليمَ المِهني، فيقولُ :”لم أعترضْ.. بل وجدتُ لها قَبولاً وميولاً عندي؛ خاصةً أنه لديَّ ثلاثةَ إخوةٍ قد تخرَّجوا من الجامعاتِ؛ ولم يَجدوا وظائفَ لهم! وعملَ اثنانِ منهم في تخصُّصاتٍ غيرِ تخصُّصِهم الجامعي! وآخَرُ عملَ في إحدى المحلاتِ.. فواقعُ التخصصاتِ الجامعيةِ ليس له فُرصٌ كثيرةٌ على أرضِ الواقعِ .

في حين بدأَ حديثَه الطالبُ “محمود جعفر” الذي يَدرسُ صيانةَ أجهزةٍ إلكترونيةٍ قائلاً:”صنعةٌ في اليدِ أمانٌ من الفقرِ”، نحن نعيشُ في واقعٍ صعبٍ، وفرصةُ الوظائفِ نادرةٌ جداً! لماذا أربطُ مستقبلي بتخصُّصٍ؛ لا أعرفُ هل سأعملُ بشهادتِه أَم لا؟! فالجميعُ نصحَني بدراسةِ التعليمِ الصناعي، وأنني باستطاعتي أنْ أقومَ بفتحِ ورشةٍ صغيرةٍ لتصليح.. أو العملِ في أحدِ المحلاتِ لصيانةِ الأجهزةِ؛ بدَلاً من أنْ يُضافَ اسمي رقماً من أرقامِ البطالةِ.

يضيفُ:” البعضُ يعتقدُ أنّ الذي يَدرسُ التعليمَ المِهني؛ هم أصحابُ المعدلاتِ المُتدنيّةِ؛ ولكنّ هذا غيرُ صحيحٍ، لأنّ مُعدّلي “جيد جداً”؛ ولكني اخترتُ تعليماً يَبني مُستقبلي .

في إحدى وُرَشِ كُليّةِ تدريبِ غزة، التقينا بالطالبِ “سليمان أبو عويلي” والبالغِ من العمرِ 16عاماً، و يدرسُ تخصُّصَ “نجارةِ وصناعةِ الأثاثِ”، وعن الدافعِ وراءَ الالتحاقِ بتخصُّصِه قال :” اخترتُ هذا التخصُّصَ؛ لأنّ لديَّ خبرةً سابقةً فيه، فَوَالدي يعملُ نجّاراً، وأحببتُ أنْ أكونَ مثلَه”، مُبيِّناً أنه أحبَّ اكتسابَ الخبرةِ والحصولَ على شهادةٍ “.

وعن طموحهِ بعدَ التخرُّجِ؛ ينوي “أبو عويلي” إنشاءَ ورشةِ نجارةٍ خاصةٍ بهِ؛ يَبنيها ويطوِّرُها حسَبَ ما درسَ في الكُليِّةِ من أصولِ المِهنةِ التي نشأَ على معرفتِها، وشابَ عليها والدُه.
ويتّفِقُ معه زميلُه “أحمد موسى” 17عاماً، الدارسُ لتخصُّصِ الحدادةِ، ويراهُ الأنسَبَ له، فقد كان والدُه أيضاً صاحبَ ورشةِ حدادةٍ، لكنّ العمرَ تقدَّمَ به ،وتوقّفَ عن العملِ لظروفٍ صِحيةٍ، وينوي “أحمد” فتحَ ورشةِ أبيهِ؛ مُجدّداً ليُكمِلَ المشوارَ بعدَه ومُعيداً لها الحياةَ.

قرارٌ صائبٌ :
على غرارِ ذلك كان الطالبُ “أحمد الأشقر” 21 عاماً، وهو يدرُسُ في كُليةِ المجتمعِ؛ تخصُّصَ تربيةِ تكنولوجيا، والذي يُقضّي معظمَ أوقاتِه في مختبراتِ الكليةِ المتخصِّصةِ.
ويُبدي “الأشقر” سعادتَه في الدراسةِ مُعلِّلاً ذلك بأنه يميلُ إلى الجانبِ التطبيقيِّ أكثرَ من الأكاديميِّ البَحتِ، ولفَتَ إلى أنّ والدَه يعملُ نجّاراً ،ويمتلكُ ورشةً كبيرةً، وقد كان يساعدُه “أحمد” في العملِ، ويقولُ: “التحاقي بالكليةِ عمِلَ على تقويةِ نقاطِ ضعفي، وأنا راضٍ عن نفسي”.

ويوافِقُه في ذلك زميلُه “ربيع السوسي” 20 عاماً؛ الذي درسَ تخصُّصَ “هندسةِ ديكورٍ داخلي”،

مُبيّناً أنّ تخصُّصَه يعتمدُ على الجانبِ العمليّ بشكلٍ كبيرٍ؛ حيث يتدرَّبُ على البرامجِ المُحَوسَبةِ، والرسمِ على الزجاجِ، وتصميمِ الديكوراتِ للمُنشآتِ.

وعن نيّةِ “السوسي” بعدَ التخرُّجِ قال: “أنوي إكمالَ دراستي،والالتحاقَ ببرنامجِ البكالوريوس”، لافتاً إلى أنّ بإمكانِه إنشاءَ مكتبٍ لتصميمِ الديكوراتِ؛ لأنّ المجالَ أمامَه مفتوحٌ على أكثرَ من صعيدٍ.

تَميَّزْ وستَجِدْ فرصتَك:
بينما يخالفُهم في ذلك “محمد أبو فول” 25 عاماً، الذي تخرّجَ من كليةِ الهندسةِ الكهربائيةِ، و يرى أنّ التخصُّصاتِ الأكاديميةَ ليست تكديساً للشهاداتِ خاصةً في مجالِه، فهو تخصُّصٌ بحثيٌّ تطبيقيٌّ متجدِّدٌ، ومجالاتُ العملِ فيهِ واسعةٌ، ويقول: “مُقتنِعٌ بمجالِ دراستي، ودائماً ما كنتُ أردِّدُ:” تَميَّزْ وسَتجِدْ العملَ المناسبَ لكَ”.

وقد عمِلَ “أبو فول” كمُعيدٍ في قسمِ الهندسةِ الكهربائيةِ، ثم انتقلَ للعملِ كمهندسٍ في وزارةِ الاتصالاتِ وتكنولوجيا المعلوماتِ، وهو الآنَ على أعتابِ الانتهاءِ من دراسةِ الماجستير في ذاتِ التخصُّصِ، ولا يرى نفسَه في المجالِ المِهنيِّ، فلِكُلِّ شخصٍ طاقتُه ونظرتُه للحياةِ التي يرسمُها لنفسِه “حسَبَ تعبيرِه”.

على غرارِه كان الشابُّ “خليل البردويل” 22 عاماً، الذي التحقَ بتخصُّص إدارةِ الأعمالِ، ويقتربُ الآنَ من الانتهاءِ من دراستِه الجامعيةِ، وقد اختارَ تخصُّصَه بناءً على مشاوراتٍ مع أهلِه وأصدقائهِ، ويرى أنّ أهمَّ الأسبابِ وراءَ اختيارِه لتخصُّصِه هي بيئةُ العملِ في القطاعِ، فهو يهتمُّ بالأعمالِ الحرّةِ، وأعربَ عن قناعتِه بتخصُّصِه متوقِّعاً أنْ تحتضِنَه الكثيرُ من المؤسَّساتِ بعدَ تخرُّجِه.

في حديثٍ مع المهندسِ “مدحت الدسوقي” مديرِ مدرسةِ دير البلحِ الثانويةِ الصناعيةِ يقولُ:” إنّ الطالبَ يدرسُ في المدرسةِ المهنيةِ سنتَينِ دراسيّتَينِ بعدَ الصفِّ العاشرِ؛ خلالَهما يتمُّ تدريبُه ميدانياً، ويتلقى فيهما الطالبُ العلومَ الأكاديميةَ (تربيةً دينيةً، ولغةً عربيةً، ولغةً إنجليزيةً، وفيزياءَ، ورياضياتٍ، تكنولوجيا ) ، والعلومَ المِهنيةَ التخصُّصيةَ، حيثُ هناك ثمانيةُ تخصُّصاتٍ تُدرّس في المدرسةِ ( صيانةُ الحاسوبِ،إلكترونيّات صناعية، واتصالات، وراديو وتلفزيون، وكهرباء استعمال، و نجارة ،وميكانيكا سيارات ، وكهرباء .

ويوضّحُ أنه يوجدُ إشكاليةٌ في عمليةِ الالتحاقِ لبعضِ التخصُّصاتِ من واقعِ
إطّلاعِهم على التطورِ الحاصلِ في العالمِ المحيطِ، فالإقبالُ على تخصُّصِ صيانةِ
الحاسوبِ كبيرٌ جداً؛ بالمقابلِ الإقبالُ يكادُ يكون صفراً على تخصُّصِ الراديو والتلفزيون،
مُعرِباً النيّةَ لفتحِ تخصُّصاتٍ جديدةٍ، أو تغييرِ مسمّى بعضِ التخصصاتِ .

ويبيّنُ أنّ هناك حاجةً لفتحِ تخصُّصاتٍ جديدةٍ؛ كأعمالِ الخراطةِ، والتكييفِ، والتبريدِ،
والتي توجدُ في الضفةِ الغربيةِ؛ ولكنْ غيرَ مُطبّقةٍ في قطاعِ غزة .

وعن أهميةِ التعليمِ المِهني يقولُ :”من خلالِ تأهيلِ وإعدادِ كوادرَ في المستوى المِهني لِسَدِّ احتياجاتِ سوقِ العملِ المَحليّ في القطاعينِ “العام والخاص”،والحرصِ على العملِ لاكتشافِ وتنميةِ مهاراتِ الطلبةِ، والعملِ على تحقيقِ رغباتِهم في اكتسابِ تعليمٍ مِهنيٍّ يوافقُ ميولَهم وتوَجُّهاتهم المهنيةَ.

وعن أبرزِ التحدّياتِ والمشاكلِ التي تواجِهُ المدرسةَ الصناعيةَ يقول:” إنّ النظرةَ الدونيّةَ للتخصّصاتِ المِهنيةِ برغمِ وجودِ كوادرَ مؤَهلةٍ، لافتاً إلى أنّ المجتمعَ ليس على درايةٍ كاملةٍ بإنجازاتِ المدرسةِ، ما يزيدُ في اتّساعِ فَجوةِ عدمِ الوَعيّ بالتخصُّصاتِ المِهنية، وأنّ هناكَ بعضَ الطلبةِ الذين نجحوا في مجالاتِ كهرباءِ الاستعمالِ، ثُم توَظفوا في شركةِ الكهرباء.
يضيفُ :”إلّا أنّ نقصَ الوَعي لدَى المجتمعِ الفلسطينيّ بأهميةِ التخصصاتِ الصناعيةِ؛ هو السببُ في تلكَ النظرةِ، وربْطَهم بأنّ مَن يلتحقُ بالمدارسِ الصناعيةِ هو الطالبُ الفاشلُ، لافتاً إلى أنّ للإعلامِ بِشَتَّى وسائلِه المختلفةِ دورٌ كبيرٌ في تسليطِ الضوءِ لتغييرِ تلكَ النظرةِ، وإبرازِ دورِ التعليمِ المِهني في تنشئةِ أجيالٍ من المتعلمينِ؛ يعملونَ على تحقيقِ التنميةِ إلى جانبِ زيادةِ فُرصِ اختيارِ مهنةِ الحياةِ.

ومن أبرزِ المشكلاتِ التي تواجِهُ المدرسةَ، ومن بينِها تَواجدُها في منطقةٍ بعيدةٍ جداً؛ ما يتسبّبُ في عزوفِ الأهلِ عن إلحاقِ أبنائهم في المدرسةِ بسببٍ يُشارُ إلى أنّ مدرسةَ دير البلحِ الثانويةَ الصناعيةَ هي رائدةُ التعليمِ المِهني الصناعي في قطاعِ غزةَ، وقد تمَّ افتتاحُها في العامِ ( 2000/2001)، ويأتيها الطلبةُ من جميعِ أنحاءِ القطاعِ؛ ولكنّ الإقبالَ الأكثرَ من منطقةِ الوسطَى؛ لِقُربهم من المدرسةِ، ويُعرِبُ عن أملِه في تأمينِ المواصلاتِ لتشجيعِهم للالتحاقِ بالمدرسةِ، وتخفيفِ الأعباءِ عن أهالي الطلبةِ، ويدعو بعضَ الجامعاتِ لتَفهُّمِ التخصصاتِ المِهنيةِ، وعدمِ حرمانِ الطالبِ الصناعي من الالتحاقِ ببعضِ التخصصاتِ.

المهندسُ “إسماعيل كُردية”، رئيسُ قسمِ التعليمِ المِهني في وزارةِ التربيةِ والتعليمِ يقول:” إنّ ما يميّزُ التعليمَ المِهني هو إمكانيةُ التخصصِ المبكّرِ في مهنةِ الحياةِ، والالتحاقُ بمؤسساتِ التعليمِ العالي، أو بِسوقِ العملِ، إضافةً إلى اشتمالِ الدراسةِ على موادٍ نظريةٍ، وتطبيقاتٍ عمليةٍ، وتدريبٍ ميدانيّ من خلالِ تأهيلِه بواسطةِ طاقمٍ تدريسيّ متخصّصٍ وذي خبرةٍ عاليةٍ.
إلّا أنّ هناك نظرةً دونيةً من المجتمعِ المَحليّ تُجاهَ الطلبةِ المُلتحقينِ بالمدرسةِ الصناعيةِ، ووَصْفَهم بذَوي التحصيلِ المتدنّي، موضّحاً أنه يوجدُ شروطٌ للالتحاقِ بالمدرسةِ؛ وهو حصولُ الطالبِ على شهادةِ الصفِّ العاشرِ الأساسي بنجاحٍ، واجتيازُ مقابلةٍ شخصيةٍ وتوجيهيةٍ لاختيارِ التخصصِ المطلوبِ.

و يبيّنُ إنه من ضِمنِ الخُططِ التي تعملُ وزارةُ التربيةِ والتعليمِ على تطبيقِها؛ هي توسيعُ التعليمِ المِهني، و إنشاءُ مدارسَ جديدةٍ؛ باعتبارِ هذا النوعِ من التعليمِ مَطلباً اجتماعياً؛ لأنّ القطاعَ بحاجةٍ إلى مدارسَ جديدةٍ، متوقعاً فتحَ مدرسةٍ صناعيةٍ في مدينةِ الزهراءِ؛ تضمُّ (8 )تخصُّصاتٍ جديدةٍ، ومدرسةٍ أخرى شمالَ مدينةِ غزةَ، ومدرسةٍ زراعيةٍ ومِهنيةٍ للبناتِ خلالَ السنواتِ الثلاثِ القادمةِ .

يضيف:”إنّ الوزارةَ تسعى لتطويرِ وتحسينِ أداءِ المُعلّمينَ والمُدرّبينَ المِهنيينَ، ورفعِ كفاءاتِهم التعليميةِ والتدريبيةِ من خلالِ الدوراتِ التدريبيةِ، والوُرش العملِيةِ المتنوعةِ، وهي تعملُ ما في وسعِها من أجلِ أنْ يكونَ التعليمُ المِهني في المستوى والجودةِ المطلوبةِ، على الرغمِ من التكلفةِ العاليةِ.

ويوضحُ:” إنّ وزارةَ التربيةِ والتعليمِ تُولي التعليمَ المَهني جانباً كبيراً من الاهتمامِ والمتابعةِ؛ لمساهمتِه في تقليلِ نِسبِ البطالةِ والفقرِ في المجتمعِ، وهناك مستقبلٌ واعدٌ لمنظومةِ التعليمِ المِهني من خلالِ إقامةِ شراكاتٍ حقيقةٍ مع مؤسساتِ المجتمعِ المَحلّي والدولي، وتحسينِ جودةِ مُدخلاتِ ومُخرجاتِ العمليةِ التعليميةِ، والاستمرارِ بالعملِ على استغلالِ المواردِ المتاحةِ من أجلِ أنْ يشهدَ التعليمُ المِهني تطوّراً أكبرَ وأعمقَ، بما يُلَبّي احتياجاتِ المجتمعِ الفلسطيني”، لافتاً إلى أنّ هناك مشروعاً مع الإغاثةِ الإسلاميةِ يتناولُ العديدَ من المواضيعِ المختلفةِ حولَ المناهجِ، وتأهيلِ الكوادرِ، ووضعِ التشريعاتِ والتصنيفِ والتوظيفِ المِهني، وربطِها من خلالِ موقعٍ يتمُّ مشاركتُه مع وزارةِ العملِ .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى