مجلة السعادةمقالات

سأعيشُ في جلبابِ أُمي

بقلم الكاتبة : مريهان أبو لبن


مَهما كبرْنا بالعمرِ؛ نَبقَى بحاجةٍ إلى أنْ نسمعَ كلماتِ الرثاءِ والدعمِ والتشجيعِ؛ كلمةً حلوةً تُفرِحُنا وتُشعِرُنا بالسعادةِ، وتغيّرُ مزاجَنا، وكلمةً سيئةً كفيلةً لِتَقلبَ يومَنا، وتُعكّرَ مزاجَنا، وتُشعِرَنا بالضجرِ والضيقِ. منذُ أنْ كنتُ طفلةً؛ وأنا أَسمعُ والدتي تقولُ “الكلمة الحلوة بِطَلِّع الحيّة من جُحرها”، “الكلمة الحلوة بِتفَرِّح”، “هاي طالعة، وهاي طالعة”، “لفظُ الإنسانِ سَعدُه”، والكثيرُ من العباراتِ التي تَحمِلُ في طيّاتِها حُبَّ الحياةِ، والإيجابيةَ، ومصطلحاتِ التنميةِ البشريةِ التي نتحدّثُ بها الآنَ، ونَعقِدُ الدوراتِ لنتعلَّمَها ونُطبِّقَها، فوالدتي لم تتَلقَّ أيَّ دورةٍ في أبجدياتِ التعاملِ مع الناسِ، وتَطْييبِ الخاطرِ، وتصفيفِ الكلامِ، بالمحاكاةِ والتقليدِ الفِطري، تعلّمتُ منها جمالَ الكلامِ واللسانِ الحلوِ، فكنتُ أرى إعجابَ الجميعِ بشخصيتِها، والتأثُّرَ بها، وسعيَ الكثيراتِ لينالوا حبَّها والقُربَ منها؛ فأثّرَ على نفسيَّتي وشخصيّتي كثيراً؛ فأصبحتُ أتقمَّصُ شخصيةَ والدتي بكُلِّ تفاصيلِها.

من داخلي كنتُ أتمنّى أنْ أكونَ شبيهةَ أُمي.. فكنتُ أرى أنّ ذلكَ صعبٌ؛ فهي تنظرُ للأمورِ بعقلانيةٍ وحكمةٍ مختلطةٍ بالحُبِّ والتسامحِ، وأستغرِبُ من رُدودِ أفعالِها وتوَقُّعاتِها؛ فيزيدُ تَعلُّقي بها أكثرَ، هي دائماً على صوابٍ، كبرتُ ووجدتُ نفسي أعيشُ في جلبابِ أمي، وأصبحتُ نسخةً منها، أُشبِهُها لدرجةٍ أرى نفسي فيها، يميلُ قلبي لِما يَميلُ قلبُها .

أنا بنتُ أمي، وأشعرُ بالفخرِ أنني الأكثرُ شَبَهاً لها بينَ إخوتي، أريدُ أنْ أُخبرَكِ يا حبيبتي؛ أنَّ مَدرستَكِ في الحياةِ التي تعلّمتِ منها الكثيرَ؛ أفادتْني أكثرَ من المَدارسِ والجامعةِ التي تلقَّيتُ فيها تعليمي، مَدرستَكِ التي استمدّتْ قاموسَها من تجاربِ الحياةِ ومواقفِها؛ ساهمتْ في صُنعِ شخصيّتي ومكانتي، أتَفاخَرُ أنّني ابنةُ تلكَ المرأةِ العظيمةِ، التي ضحّتْ، وربّتْ، وتعبتْ من أجلِ أبنائها، يكفي إننا نرَى نظراتِ الإعجابِ والمديحِ لكُلِّ مَن نتعاملُ معهم، نحنُ ممتنّونَ لكِ على كلِّ شيءٍ .

أريدُ أنْ أُخبِرَكِ يا عزيزتي؛ أننا أصبحنا نعيشُ في عالمٍ لا يَفهمُ قواميسَ حياتِك، نحنُ في زمنٍ اختلفتْ فيه المفاهيمُ والأبجدياتُ والأصولُ والحبُّ، هناكَ مَن يفهمُ الاحترامَ والتقديرَ بِلُغتِه هو؛ التي لا علاقةَ لها بالاحترامِ، قابلتْنا الحياةُ بمَن أساءَ لنا؛ ونحنُ مَن قدَّمْنا له الكثيرَ؛ وقابَلَهُ بالنّكرانِ والجحودِ ، هناك من استغلَّ عطاءَنا وتضحياتِنا أبشعَ استغلالٍ، لماذا لم تُعلِّمينا أنْ لا نُحمِّلَ أنفُسَنا فوقَ طاقتِها، ولا نُعطي على حسابِ راحتِنا وصحتِنا، فهناك أشخاصٌ قُبالتَنا بهِمُ الحياةُ ليس على شاكِلتِنا؛ استَنزَفوا طاقتَنا لأننا أحسَّنا إليهم وِفقَ قانونِ مَدرستِك، نَسيتِ أنْ تُخبرينا أنْ نُقدِّمَ في حدودِ المعقولِ، ونعطيَ لأنفُسِنا أولَويةً ونُقدِّسَها؛ فهي الأحَقُّ والأجدرُ..، نحنُ نعيشُ في زمنٍ لم يَعُدْ للطيبةِ فيه مكانٌ، وللحبِّ قيمةٌ، وللعطاءِ تقديرٌ.

وبرغمِ كلِّ مَطبّاتِ وعثراتِ الحياةِ، وخذلانِ الأشخاصِ، سأعيشُ في جلبابِ أمي؛ ولكنْ وِفقَ وضْعِ الحدودِ، وطردِ الأشخاصِ السلبيّينَ السيّئينَ الأنانيّينَ من حياتِنا، الأشخاصِ الذين تَعوّدوا على الأخذِ ولم يُعطوا شيئاً.. حتى إنهم لم يُجرّبوا مُجرّدَ تجربةٍ لِنواسي أنفُسَنا بقولِ “يكفي إنهم نالوا شرفَ المحاولة”، سوفَ نتخلصُ من أصحابِ الوجوهِ الملوّنةِ؛ فلم تَعُدْ لنا طاقةٌ لتَحمُّلِ أيِّ شخصٍ قد يسبّبُ لنا الألمَ لو لثانيةٍ، نحن لا نتَغيّرُ للأسوأِ من أجلِهم، سنَبقَى كما نحنُ بصفاتِنا الرائعةِ، وأخلاقِنا ورُقيِّنا، أنتم لم يَعُدْ لكم مُتَّسَعٌ في عالمِنا .

اظهر المزيد

إدارة الموقع

شبكة الثريا .. شبكة اجتماعية ثقافية أسرية .. نرتقي بثقافة الأسرة لأنها اللبنة الأساس في المجتمع الصالح .. نسعى لنشر المفاهيم الأسرية الناجحة من منظور إسلامي .. ونسعد بتواصلكم ..

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

Dumanbet giriş

- Grandbetting - Queenbet yeni giriş