تقاريرمجلة السعادة

مواقعُ التواصلِ تفتحُ الشهيةِ؛ وتغيّرُ النمطِ الغذائي للعوائل

مئاتٌ بلْ آلافُ الإعلاناتِ اليوميةِ تُصادفُها أثناءَ تَصفُحِكَ لمواقعِ التواصلِ الاجتماعي لمطاعمِ وقنواتِ الطبخِ، وأصدقاءٍ يتناولونَ طعامَهم، أو سيداتٍ يستعرِضنَ ما أنجزتْ أيديهِنَّ، لتَبلغَ نسبةُ ما تشاهدُه من صوَرِ طعامٍ ومطاعمَ وطرُقِ إعدادِ الطعامِ أكثرَ من (70%) مما تشاهدُه، هذه الصوَرُ والمقاطعُ والوجباتُ المُغريةُ كانت سبباً في تَحوُّلِ حياتِك.

علاء أبو شعبان “46 عاماً ” يقول لـ “السعادة”: مواقعُ التواصلِ غيّرتْ في كلِّ منظومةِ العائلةِ الاجتماعيةِ والاقتصاديةِ طريقةَ اللبسِ والمأكلِ والمشربِ والاحتفالِ والتواصلِ، فعلى صعيدي الشخصي كان أطفالي يميلونَ إلى الطعامِ البَيتي؛ كالطبائخِ المختلفةِ التي تمدُّ الجسمَ بكُل ما يحتاجُه من عناصرَ غذائيةٍ مُهِمّةٍ، إلّا أنّ مواقعَ التواصلِ غيرتْ كلَّ نمطِ الطعامِ في منزلي!
ويضيفُ: أصبح أبنائي يَميلونَ إلى الأطعمةِ التي تحتوي على اللحومِ البيضاءِ وبعضِ الخضارِ المعروفةِ والأجبانِ بأشكالِها المختلفة، نحن للأسفِ نتناولُ وجباتٍ متشابهةَ المكوّناتِ؛ لكنها بنكهاتٍ مختلفةٍ، وأصبحَ من النادرِ جداً أنْ نُعِدَّ أكثرَ وجبةِ (طبيخ) خلال َالأسبوعِ؛ إلّا أقومُ أنا بتناوُلِها بقيةَ الأسبوع!

ويواصلُ: باتت زوجتي تقضي وقتاً كبيراً لتَتعلّمَ وصفاتٍ يشاهدُها أبنائي على مواقعِ التواصلِ، وأصنافَ حلوياتٍ لم نكنْ نعرفُها قبلَ عشرينَ عاماً، واختفتْ كُليّاً طريقةُ الطعامِ التي كُنا نَعرفُها في بيوتِ أهلينا.

أمّا “أُم محمد عرفات” فتقولُ:” إنّ مواقعَ التواصلِ الاجتماعي غيّرتْ من كميةِ ونمطِ الطعامِ لدَى عائلتِها، قديماً كُنا نصنعُ أطباقَ الحلوياتِ في المناسباتِ، أو بدايةَ الشهرِ كنوعٍ من الترفيهِ؛ لكنني اليومَ مُجبَرةٌ أننْ أُقدّمَ صنفَ حلوياتٍ كلَّ يومينِ على الأقلِّ، علاوةً على أنه لا يُشبِهُ الحلوياتِ التي كُنا نعرفُها في صغرِنا.

وتضيفُ: وجباتُ الطعامِ التي أُقدّمُها على مدارِ الأسبوعِ تُشبِهُ قائمةَ الطعامِ في المطاعمِ، وجميعُها بِلا استثناءٍ وجباتٌ دسمةُ، وذاتُ سعراتٍ حراريةٍ عاليةٍ، وبِلا فائدةٍ بالمُطلَقِ؛ لكنها تُعجبُ أبناءَنا وتُشعِرُهم أنهم يأكلونَ كما يأكلُ الآخَرونَ عبرَ مواقعِ التواصلِ الاجتماعي، مؤكِّدةً أنّ الكمياتِ التي تطبخُها وتقدِمُها لعائلتِها هي كمياتٌ مضاعَفةٌ عن احتياجِهم.
ترفيهٌ وطعامٌ

أما صفاء”38 عاماً فتقولُ:” تطلبُ منّي بناتي مشاهدةَ كثيرٍ من فيديوهاتِ الطبخِ السريعةِ، والتي غالبيتُها تتَمحورُ حولَ أصنافِ المعكرونةِ، وصدرِ الدجاجِ، والأجبانِ، وخبزِ الفينو، والصلصاتِ المختلفةِ، وأحاولُ قدْرَ المستطاعِ أنْ أشرحَ لهم عن الأطعمةِ الصحيةِ الغنيةِ بالفوائدِ والفيتاميناتِ، وما إلى ذلكَ من عناصرَ غذائيةٍ يحتاجُها الجسمُ؛ لكنْ للأسفِ، جميعُ محاولاتي تبوءُ بالفشلِ؛ أمامَ سَيلِ الصورِ والفيديوهاتِ والإعلاناتِ التي يشاهدونَها عبرَ مواقعِ التواصلِ.

وتضيفُ: قديماً كُنا نَدَّخِرُ مصروفَنا لشراءِ كتابٍ أو لعبةٍ أو قطعةِ ملابسَ؛ تشكّلُ لنا احتياجاً كبيراً؛ لكنْ للأسفِ جيلُ اليومِ يدّخِرُ فقط للذهابِ إلى مطعمٍ أو تجريبِ وجبةٍ معيّنةٍ، أو للذهابِ إلى الترفيهِ في أحدِ الأماكنِ التي يشاهدونَ إعلاناتِها، منوّهةً أنّ الترفيهَ وزيارةَ الأصدقاءِ والرحلاتِ عندَ بناتِها مرتبطٌ بالطعامِ للأسفِ، وليس بتغيّيرِ الأجواءِ.

وبحسبِ المدوّنِ الاجتماعي “طلال الراشد” فإنّ (85%) من المطاعمِ تستخدمُ وسائلَ التواصلِ الاجتماعي للإعلانِ والتسويقِ؛ حيثُ شكّلتْ الإستراتيجيةَ الأكثرَ شيوعًا في عام( 2018،2019)، ويبحثُ نحو (63%)، من الناسِ في “الفيسبوكِ” للعثورِ على المطاعمِ، ويعدُّ “الانستغرام” هو تطبيقُ الإعلامِ الاجتماعي رقم( 1) للتفاعلِ مع العلاماتِ التجاريةِ للمطاعمِ.

جذبُ الزبائنِ
ومع وجودِ العديدِ من الخياراتِ لتناولِ الطعامِ؛ فإنّ القدرةَ على جذبِ زبائنَ جُدَدٍ هي الأساسُ، ويمكنُ لوسائلِ التواصلِ الاجتماعي أنْ تكونَ وسيلةً فعالةً للحصولِ على اهتمامِ العميلِ؛ ولكنْ ليعودَ هذا العميلُ ستحتاجُ إلى أكثرَ من مُجرَدِ صورةٍ.

من جانبِها تقولُ دكتورة علمِ النفسِ التربوي رائدة أبو عبيد: من الصعبِ التغاضي عن الشعورِ بالجوعِ، فهو شعورٌ غريزي قوي يمكنُ أنْ يسيطرَ عليك، فيتملكَ حواسَّكَ وتفكيرَك، ويؤثّرَ سلباً في تصرّفاتِك ومزاجِك، لتجدَ نفسَك مندفعاً لتناولِ أيِّ طعامٍ متوافرٍ أمامَك حتى يَهدأَ هذا الشعورُ.

وتضيفُ: ومن الطبيعي أنْ تشعرَ بالجوعِ كلَّ (3 – 5) ساعاتٍ، ولكننا اليومَ لا نشعرُ بالشبعِ مَهما تناولْنا من طعامٍ! بل ونشعرُ بالجوعِ بشكلٍ متواصلٍ، ونقضي طيلةَ اليومِ في البحثِ عن أطعمةٍ لنأكلُها ، وفي هذه الحالةِ ليس سببُ الجوعِ جوعاً جسدياً حقيقاً (حاجةُ الجسمِ إلى الطاقةِ)؛ بل نتيجةً لعدّةِ مثيراتٍ ومُحفزاتٍ أخرى تواجِهُنا على مدارِ الدقيقةِ، وتخطفُ قدراتِنا البصريةَ من خلالِ مواقعِ التواصلِ التي تَبثُ لنا على مدارِ الثانيةِ جديدَ المطاعمِ والوجباتِ؛ ليس بالصورةِ فقط؛ بل بالفيديوهاتِ التي تُشعرُنا أنّ هذا الطعامَ الجميلَ والشهيَ بإمكانِنا صناعتَه في دقائقَ معدودةٍ وسريعةٍ .

وتُتابعُ: يشعرُ الإنسانُ بالجوعِ عندما تفرزُ الأمعاءُ هرمون “الجريلين”، كإشارةٍ تُنَبِّهُ الدماغَ إلى حاجةِ الجسمِ إلى تناولِ الطعامِ، بينما يتوقفُ الشعورُ بالجوعِ عندما تشعرُ المَعدةُ بقُربِ امتلائها، فيبدأُ الجهازُ الهضمي في إفرازِ هرمونِ الشبعِ، وتنبيهِ الدماغِ وتحفيزِه على التوقّفِ عن تناولِ الطعامِ.

بَيْدَ أنّ إفرازَ هرمونِ الجوعِ قد يستمرُّ، أو كفاءةَ عملِ هرمونِ الشبعِ قد تضعفُ لأسبابٍ مختلفةٍ؛ مِثلَ أسبابٍ صحيةٍ أو نفسيةٍ أو غيرِها؛ لِيَجدَ الشخصُ نفسَه يشعرُ بالجوعِ بشكلٍ مستمرٍّ وطوالَ اليومِ .

نفسيٌّ وعاطفيٌّ
وتُواصلُ: من أكثرِ الأسبابِ التي يؤكّدُها خبراءُ علمِ النفسِ، والتي تسبّبُ فتحَ الشهيةِ هي الأسبابُ النفسيةُ والعاطفيةُ، فغالبيةُ الوقتِ يكونُ سببُ اندفاعِك إلى تناولِ الطعامِ نتاجاً لعاملٍ نفسي، وليس الجوعَ الحقيقَ، مِثلَ: الشعورُ بالمَللِ أو كطريقةٍ لتفريغِ مشاعرَ قويةٍ كالحزنِ أو الكآبةِ، أو حتى الفرحِ، أو الأرقِ وقلّةِ النومِ ، أو فرطِ التوتُرِ، أو حتى ارتباطٍ شرطيٍّ (تشعرُ بالسعادةِ والمكافأةِ عندَ تناولِ الطعامِ).

كما أنّ هناكَ جانباً آخَرَ سبّبَ ارتفاعَ شهيةِ البشرِ؛ وهو تزايدُ مشاهدةِ برامجِ الطبخِ والدعاياتِ الغذائيةِ، وصوَرِ الأطعمةِ عبرَ صفحاتِ “السوشيال ميديا”، فمِن الطبيعي أنْ تشعرَ بالجوعِ حتى لو كنتَ قد انتهيتَ للتوِّ من تناولِ الطعامِ، إنْ شاهدتَ نجمَكَ المفضّلَ، أو صديقَكَ المُقرّبَ يتلذّذُ ويُغريكَ بتناولِ حلوياتٍ وأطباقِ طعامٍ شهيةٍ.

ومن أفكارِ التغذيةِ الشائعةِ التي عوَّدتْنا على الخوفِ من الشعورِ بالجوعِ، التركيزُ على فائدةِ تناولِ خمسِ وجباتِ طعامٍ يومياً (3 رئيسةٍ كبيرةٍ، و2 خفيفةٍ بينَها) أو الإلحاحِ على ضرورةِ تناولِ الوجباتِ في مواعيدِها؛ حتى لو كنتَ لا تشعرُ بالجوعِ أو ضرورةِ تناولِ وجبةِ الإفطارِ فورَ استيقاظِك صباحاً.

توضّحُ “أبو عبيد”: كلّما تناولتَ طعاماً أكثرَ؛ تعلّقَ جسمُك بالطعامِ أكثرَ، وأصبحتَ تعيشُ لتأكلَ، لا تأكلُ لتعيشَ، فالمعدةُ عضوٌّ يتمدّدُ ويزدادُ حجمُه مع زيادةِ امتلائها بالطعامِ، وتَمدُّدُها هذا سيُصعّبُ امتلاءَها؛ وبالتالي الشعورُ بالشبعِ، كما أنّ تَعوُّدَ الجسمِ على استمرارِ تناولِ الطعامِ؛ رغمَ شعورِ الشخصِ بالشبعِ والامتلاءِ والتخمةِ، يَجعلُه يطوّرُ مقاومةً لرسائلِ الجسمِ بالشبعِ (فلا يستجيبُ لمشاعرِ الشبعِ)، وهنا يصبحُ الجسمُ حسّاساً لإشاراتِ الجوعِ، وغافلاً عن إشاراتِ الشبعِ.

ويضيفُ: إذا وصلتَ إلى هذه المرحلةِ؛ فإنّ خلَلاً في أسلوبِ الحياةِ راجعاً لأسلوبِ تغذيتِك ونشاطاتِك اليوميةِ؛ وهذا الخَللُ إذا أردتَ إصلاحَه سيحتاجُ منك وقتاً طويلاً، ومالاً وجهداً وإجباراً، وقد تقضي أياماً تجوّعُ فيها نفسَك من أجلِ أنْ تصلحَ هذا الخَللَ.

صيامٌ متقطّعٌ
وتنصحُ “أبو عبيد” العوائلَ المحافظةَ على أنظمتِها الغذائيةِ المعتدلةِ، خاصةً الأبناءَ في مرحلةِ المراهقةِ، من خلالِ تقليلِ النظرِ إلى إعلاناتِ الطعامِ، وصفحاتِ “السوشيال ميديا” التي تروّجُ للمطاعمِ ووصفاتِ إعدادِ الطعامِ، عندَ الشعورِ بحاجتِك إلى الطعام؛ عليكَ أنْ تكونَ صريحاً مع نفسِك، وأنْ تعرفَ سببَ شعورِك بالجوعِ الحقيقِ، وأأنْ تُحدّدُ أولوياتِك، وعلى الأمهاتِ مثلاً توصيةُ الأبناءِ بأنّ وجبةَ الغداءِ لن يَتبعَها على سبيلِ المثالِ أيُّ أطعمةٍ أخرى، وأنْ تَحدَّ من كميةِ الحلوياتِ التي قد يتناولُها أطفالُها خلالَ اليومِ أو خلالَ الأسبوعِ .

حاولْ القيامَ بأنشطةٍ مختلفةٍ؛ إنْ كنتَ متأكّداً أنّ شعورَك بالجوعِ نفسيٌّ، كشُربِ الماءِ مثلاً، تَناوَلْ قطعةَ خضارٍ، وشجّعْ نفسَك على القيامِ بأمورٍ تزيدُ من تَحكُّمِك بمشاعرِك، وتُلهيكَ عنها، مِثلَ القراءةِ أو الرياضةِ أو ممارسةِ هوايةٍ أو التحدّثِ مع أشخاصٍ تحبُّهم.
أو عليكَ الربطُ بينَ جلوسِك على “السوشيال ميديا” والصيامِ المتقطعِ؛ هذه طريقةٌ مفيدةٌ للسيطرةِ على شهيّتِك، وتعويدِ جسمِك على عدمِ الخوفِ، أو الإصابةِ بالهلَعِ عندَ الشعورِ بالجوعِ، كما سيُعوِّدُك على تناولِ الطعامِ خلالَ ساعاتٍ معيَّنةٍ فقط.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى