تقارير

الطماطمُ السوداءُ على موائدِ الغزيينَ بعدَ ستةِ أشهُر

تُربةُ القطاعِ الأفضلُ لزراعتِها

تقرير: السعادة

تنجحُ غزة دوماً على الرغمِ من إطباقِ الحصارِ على كافةِ مناحي الحياة، وتوَقُفِ عجلةِ الاقتصادِ منذُ سنواتٍ طويلةٍ، وغيابِ الاستثمارِ بشكلٍ كاملٍ، وعدمِ وجودِ أيِّ اهتمامٍ بالبحثِ العِلمي والتجاربِ الزراعيةِ الجديدةِ من قِبلِ الحكومةِ وجِهاتِ الاختصاصِ.

نجحَ مُختّصُّ في بيولوجيا النباتِ من محافظةِ “رفح” جنوبي قطاعِ غزة، في إجراءِ أولِ تجربةٍ زراعيةٍ للطماطمِ السوداءِ “بلاك شيري”، والتي يعتقدُ المختصّونَ أنّ لدَيها القدرةَ على دَرءِ مرضِ السرطانِ؛ حيثُ يحتوي هذا النوعُ على “الانثوسيانين” ومضاداتِ الأكسدةِ التي تساعدُ على محاربةِ السرطانِ.

تجارِبُ ناجحةٌ

وبحسبِ صحيفةِ “ديلي ميل” البريطانيةِ، إنّ الطماطمَ السوداءَ قد تساعدُ كذلك على الشفاءِ من مرضِ السكري والبدانةِ، ويرجعُ هذا اللونُ الأَسودُ المُتفحِمُ نتيجةَ تَعرُّضِ الأصباغِ بداخلِ الثمرةِ إلى أشعةِ الشمسِ، وتَنضجُ هذه الطماطمُ عندما يتحولُ لونُها من الأزرقِ البنفسجي اللامعِ؛ إلى اللونِ الأسوَدِ المتفَحِمِ تقريباً، مع قليلٍ من الاحمرارِ في الأسفلِ، ويُعَدُّ هذا النوعُ الأسوَدُ من الطماطمِ غنياً بــ” الانثوسيانين”، الذي يتواجدُ في الخضراواتِ، والفاكهةِ والمشروباتِ. وقد أثارتْ هذه الثمرةُ اهتمامَ المجتمعِ العِلمي؛ بعدَ أنْ تمَّ اكتشافُ آثارِها الإيجابيةِ تُجاهَ الصحةِ.

الدكتور “ميسرة مخيمر” يعملُ في المركزِ الوطني الفلسطيني للبحوثِ الزراعيةِ، وصلَ إلى غزةَ قبلَ عدّةِ سنواتٍ، بعدما أنهَى دراسةً في الدكتوراه في “بيولوجيا النبات”، من جامعةِ جنوب باريس – فرنسا، وتركّزتْ رسالتُه في “الجينوم الوظيفي للنباتِ”.

 يقولُ لـ” السعادة: “جلبتُ بذورًا معي من رحلتي الأخيرةِ لفرنسا، وأجريتُ تجربةً على زراعتِها في مشتلٍ قبلَ نقلِها لدفيئةٍ؛ بهدفِ دراسةِ ملاءَمتِها للزراعةِ في غزة”، مضيفاً أنه زرعَ كميةً قليلةً من الطماطمِ السوداءِ داخلَ دفيئةٍ في منطقةِ المحرَّراتِ غربيَّ محافظةِ خانيونس؛ حيثُ نجحتْ واحدةٌ منها، منوِّهاً إلى أنه جرتْ زراعتُها في نفسِ ظروفِ الطماطمِ التقليديةِ في القطاعِ.

ويضيفُ: بعدَ إجراءِ التجربةِ الأولى بنجاحٍ؛ وصلتُ إلى نتيجةٍ؛ وهي أنّ صنفَ (بلاك شيري)، أي الطماطمِ الكرَزيةِ السوداءِ، من أكثرِ الأصنافِ مُلاءَمةً للزراعةِ في أجواءِ مدينةِ غزة. –بحسبِ مخيمر- فإنه يحتوي على مادةِ “أنثوسيانين”؛ وهي من مضاداتِ الأكسدةِ، وبه صَبغةُ “الكاروتين” المضادةُ للأكسدةِ، مشيراً أنّ مادةَ “الانثوسيانين” موجودةٌ في الطماطمِ الحمراءِ في سيقانِها وأوراقِها؛ ولكنها غيرُ موجودةٍ في الثمرةِ الحمراءِ.

ويوضحُ “مخيمر” أنّ الهدفَ من زراعةِ “بلاك شيري” ليس إنتاجياً أو تسويقياً أو مجردَ إدخالِ صنفٍ جديدٍ في هذه المرحلةِ، ويلفتُ إلى أنه عملَ على برنامجٍ تَهجينيّ من أجلِ إنتاجِ بذورٍ فلسطينيةٍ أصيلة، عبرَ تهجينِ هذا الصنفِ مع أصنافٍ محليةٍ أخرى للوصولِ إلى منتَجٍ ذي جودةٍ؛ بهدفِ إيجادِ بذورٍ للمزارعِ الفلسطيني تقاومُ الآفاتِ والملوحةَ، والظروفَ الطارئةَ على القطاعِ الزراعي في غزة.

نفسُ ظروفِ الزراعةِ

ويتابعُ “مخيمر” أنه بالتجربةِ تَبيّنَ أنّ الطماطمَ السوداءَ تعيشُ في نفسِ دفيئةِ الطماطمِ البلديةِ المعروفةِ؛ من حيثُ الظروفِ والمياهِ وكميةِ السمادِ، والوقايةِ والرَّشِ، والظروفِ البيئيةِ، مُنبِهاً (الاختصاصي بعلمِ النباتاتِ) بأنّ صنفَ “بلاك شيري” حققَ نجاحًا، وأعطى نتائجَ جيدةً يمكنُ البناءُ عليها في البرنامجِ التهجيني المستقبلي.

ويشيرُ أنّ تجاربَ اشتملتْ على أربعةِ أنواعٍ تمَّ استثناءُ زراعةِ ثلاثةٍ منها؛ بعدَ اتّضاحِ عدمِ ملاءَمتِها للظروفِ البيئيةِ في غزةَ؛ نتيجةَ تفسُّخِ وتشوُّهِ وسقوطِ الثمارِ والتواءِ الأوراقِ؛ وهذا يعني أنّ البذورَ غيرُ ملائمةٍ أو غيرُ قادرةٍ.. ويرجو “مخيمر” كغَيرِه من الباحثينَ إلى ضرورةِ الاهتمامِ بالبحثِ العِلمي، وأهميةِ  الاستثمارِ في البحثِ العلمي على الدوامِ؛ لِما لذلكَ من مردودٍ إيجابي، مشيرًا إلى أنه يخلقُ دخلًا ماليًا كبيرًا كما الحالِ “بهولندا” التي تنتجُ البذورَ المختلفةَ؛ وتحاولُ تطويرَ جودتِها وصفاتِها ووظائفِها ومكوّناتِها؛ إذْ تعتمدُ بشكلٍ كبيرٍ على الزراعةِ كثروةٍ وطنيةٍ.

ويقولُ خبيرُ بيولوجيا النباتِ: “البحثُ العلمي مُخرجاتُه يُمكِنُ أنْ تأتي بعدَ سنواتٍ طويلةٍ، والأمرُ هنا ليس تجاريًّا؛ فنحن نحاولُ إنتاجَ بذورٍ صالحةٍ للمُزارعِ الفلسطيني، وتمتازُ بصفاتٍ محدّدةٍ ؛ مِثلَ مقاومةِ الآفاتِ والملوحةِ، وبرنامجُنا التهجيني هذا قد يمتدُّ إلى أكثرَ من خمسِ سنوات”.

ستةُ أشهُر

 ويشدّدُ على أنّ الاستثمارَ في البحثِ العلمي يستغرقُ سنواتٍ؛ لكنه قد يأتي بنتائجَ إيجابيةٍ جدًّا، مشيرًا إلى أنَّ قيمةَ كيلوغرامٍ من بذورِ الطماطمِ تعادلُ كيلو من الذهبِ! في إشارةٍ منه لقيمتِها الثمينةِ، لاسيّما أنّ إنتاجَها -البذورَ- يساهمُ بشكلٍ كبيرٍ جدًّا في المُدخلاتِ من العملةِ الصعبةِ لدى الدولِ المنتجةِ.

ويبيّنُ “مخيمر” أنه عندَ إنتاجِ صنفٍ جديدٍ أو تطويرِه، يُمكِنُ تسويقُه، ولكنْ يستغرقُ كثيرًا من الوقتِ؛ عِلمًا أننا نستخدمُ طرُقًا تقليديةً في عمليةِ التهجينِ؛ نتيجةَ نقصِ المُعدّاتِ والموادِ والأدواتِ اللازمةِ لذلك، لاسيّما تقنياتُ وتطبيقاتُ البيولوجيا الجزائيةِ، التي تُحدّدُ مكانَ الجينِ المسؤولِ عن صفةٍ ما. ويقولُ: “في الطرُقِ التقليديةِ نضطّرُ للانتظارِ جيلًا بعدَ جيلٍ، ونقومُ بعمليةِ تقييمٍ، وكلُّ جيلٍ يمكنُ أنْ يستغرقَ نحوَ ستّةِ أشهُر”.

ويُنبِّهُ “مخيمر” أنّ العملَ يجري بمسارٍ عِلميّ؛ وليس تجاريًّا، قائلًا: “إذا قرَّرنا تسويقَ المُنتَجِ؛ سنبدأُ في توزيعِه على المحلاتِ المَعنيةِ بعدَ ستّةِ أشهُر، بعدَ تنظيمِ حملةٍ إعلاميةٍ، وتعريفِ المُستهلِكِ بالطماطمِ السوداءِ وفوائدِها الكبيرةِ”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى