غير مصنف

العدلُ بين الزوجاتِ أصلُ التعدّدِ، ومرساةُ الأمانِ لحياةٍ زوجيةٍ مستقرّة

التعدُّدُ ليس وجاهةً ولا جاهاً ولا تفاخراً

تحقيق: السعادة

تُملأُ صفحاتُ الاستشاراتِ الأسريةِ في وسائلِ الإعلامِ المختلفةِ بقصصِ النساءِ اللواتي يشعرنَ بعدمِ العدلِ من قِبلِ أزواجِهنَّ ، إذ يعِشنَ حياةً غيرَ مستقِرةٍ؛ تملأُها مشاعرُ الغيرةِ والحسدِ ، دَيدَنُها عدمُ الاستقرارِ، والخوفُ، ومغادرةُ الثقةِ من النفسِ، على الرغمِ من القاعدةِ الشرعيةِ التي تقولُ: “إنّ أصلَ تَعدُّدِ الزوجاتِ العدلُ بينهنّ”، وعدمُ العدلِ يجعلُ التعدُّدَ في عدادِ المحرّماتِ على الرجالِ. فلماذا لا يَعدِلُ الرجلُ بين زوجاتِه؟ وما هي ضوابطُ هذا العدلِ ؟ وهل المطلوبُ من الرجلِ العدلُ في التعاملِ، أَم المساواةُ في التعاملِ ؟

أم صهيب “36 عاماً ” موظفة ، تقول ” لـ” السعادة ” :” شاءَ القدَرُ أنْ أكونَ الزوجةَ الثانيةَ لرجلٍ متزوجٍ ولدَيهِ عائلةٌ ؛ لكنه من مُحبّي التعدّدِ، وقد التقيتُ أنا وزوجتُه قبلَ موافقتي؛ وأخبرتني أنها مقتنعةٌ بالأمرِ،  وأنّ زوجَها ينوي الزواجَ سواءً كنتُ أنا أو غيري “.

وتضيفُ:” وبالفعلِ تزوّجتُ منه بعدَ شهرينِ  في بيتٍ منفصلٍ عن عائلتِه؛ تكفّلتُ أنا بكافةِ المصروفاتِ الخاصةِ بمنزلي، وتكفّل هو بدفعِ إيجارِ الشقةِ، وبعدَ الزواجِ بأشهُر بدأتُ أشعرُ بالندمِ؛ إذ إنّ زوجتَه الأولى هي الواجهةُ الاجتماعيةُ لحياتِه؛ أمّا أنا فممنوعةٌ أنْ أشارِكَ عائلتَه بأيٍّ من مناسباتِها الاجتماعيةِ .

وازدادَ الطينُ بِلّةً بطلباتِ زوجي الماليةِ التي لا تنتهي؛ مرّةً يريدُ قرضاً، ومرّةً يحتاجُ لسلفةٍ لتحسينِ منزلِ زوجتِه الأولى ، وبعدَ إنجابي لطفلي الأولِ؛ باتت الأمورُ أكثرَ وضوحاً؛ إذْ أوكلَ زوجي مسئوليةَ الطفلِ كاملةً عليَّ من مصاريفَ ورعايةٍ واهتمامٍ.

لم يطرُقْ الحبُّ بابي

وتُتابِعُ: استمرّتْ الحياةُ على هذا المنوالِ؛ لا يعرفُ عن أطفالِه شيئاً! لا يسألُ عنهم! لا  يعرفُ ماذا يأكلونَ! لكنه في المقابلِ حريصٌ جدّاً على أطفالِه من زوجتِه الأولى!  في كثيرٍ من الأحيانِ يأخذُ من طعامِ وألعابِ أطفالي ليُطعِمَ أطفالَه من زوجتِه الأولى ، حتى بات الأمرُ مكشوفاً للعِيانِ؛ أنّ زوجي وزوجتَه يريدونَ مني أنْ أسلِّمَهم راتبي ليُديروا حياتي حسبَ رغباتِهم!

وتتابعُ: فجأةً، توقّفَ عن دفعِ إيجارِ المنزلِ! أصبح يغيبُ عنّا بالأسابيعِ! وعندما طالَبتْهُ عائلتي بإسكاني في منزلِ زوجيةٍ لائقٍ؛  قالها بصريحِ العبارةِ: إنه تزوَّجني موظفةً لأُعينَه على حياتِه، والصرفَ على أطفالِه، وليس لأُنجبَ ويصبحَ مضطّرً للإنفاقِ عليَّ ، ثُم طالَبني بالسكنِ مع زوجتِه الأولى في غرفةٍ صغيرةٍ أنا وأبنائي!

وتُواصلُ: انتقلنا للعيشِ داخلَ منزلٍ.. وهنا كانت الفاجعةُ الكبرى التي لم تتحمّلْها عينايّ؛ وهى التفرقةُ بالمعاملةِ بيني وبين زوجتِه الأولى، وبينَ أبنائي وإخوتِهم ، كان يجلسُ و زوجتَه وأطفالَه على طاولةِ الطعامِ؛ بينما يُجبِرُني أنا وأطفالي أنْ نأكلَ داخلَ المطبخِ؛ بعدَ أنْ يفرغوا من الطعامِ!  فلم أحتملْ الأمرَ، وذهبتُ إلى بيتِ عائلتي، وطلبتُ الطلاقَ بينما بقيَ أطفالي معي بحُكمِ الحضانةِ، ولا أعتقدُ أنه سيُطالبُ بهم  يوماً!

“أم محمد، “60” عاماً، تروي حكايتَها لـ” السعادة ”  وتقولُ :” شاءتْ الأقدارُ أنْ أكونَ الزوجةَ الثانيةَ التي تَزوّجَها   ( أبو محمد) لإنجابِ الأطفالِ ، و كانت أولَى ثمراتي “محمد”، الذي عدَّه زوجي و الجميعُ هديةَ اللهِ لنا، ورزقَني اللهُ بعدَه عدداً من الأبناءِ والبناتِ .

وتضيفُ: وعلى الرغمِ من أنني الزوجةُ التي أنجبتْ له الأبناءَ؛ إلّا أنني لم أحظَ بأيِّ معاملةٍ حسنةٍ؛ مقارَنةً بزوجتِه الأولى! كان الفرقُ بالمعاملةِ واضحاً جدّاً، فلم يطرُقْ الحبُّ والدلالُ بابي في يومٍ من الأيامِ!  حتى في أسعدِ لحظاتِ زواجي سعادةً؛ حينَ أنجبتُ ابني الأولَ؛ خصَّ زوجتَه الأولى بكُل عباراتِ الحبِّ؛ بينما كنتُ أنا على سريرِ ولادتي أترنّحُ بينَ الحرمانِ والغيرةِ .

ويكملُ الحديثَ “محمد” عن والدتِه :” كنتُ أرى والدي يعاملُ أمي معاملةً سيئةً! ولا يُكِنُّ لها أيَّ حُبٍّ أو مشاعرَ!  يعاملُها على أنها مُربيّةٌ لأطفالِه ، وعندما كُنا صغاراً، ولم يكنْ له أطفالٌ من زوجتِه الأولى؛ كان الحبُّ والدلالُ لنا؛ ولكنْ سرعانَ ما تغيّرَ الحالُ، وانقلبَ حبُّه وحنانُه لإخوتي من الزوجةِ الأولى! فأصبحنا مُهمّشينَ..! فكبرْنا وكبرتْ معنا آهاتُنا التي كادت أنْ تمزِّقَنا؛ لولا حنانُ والدتي علينا.  

كذبتى لم تَصمدْ

في حين تقول  “أم مهند” 49 عاماً ، تزوجتُ وأنا في سنِّ العشرينَ؛ وأنجبتُ منه (4) أبناءٍ؛  لم أعِشْ معه أنا وأبنائي سِوَى حياةِ  الذلِّ والمَهانةِ؛  يضرِبُني وإياهم لأقلِّ الأسبابِ و أتفَهِها! بعدَ سبعِ سنواتٍ أخبرَني أنه سيتزوجُ من ابنةِ خالتِه التي كنتُ أسمعُ _بينَ الفينةِ والأخرى_ أنه كان ينوي الزواجَ منها قبلاً مِنّي؛ لكنّ المشاكلَ العائليةَ حالتْ دونَ ذلكَ ، وبالطبعِ رفضتُ الأمرَ؛ لكنّ قرارَه كان نافذاً سواءً قبِلتُ أو لم أقبلْ ، وكنتُ أحدّثُ نفسي أنني رُبما أرتاحُ من سوءِ معاملتِه؛ إيماناً بالمَثلِ الشعبي ” بتيجي الجديدة تعمل للقديمة بَخت ” ؛ إلّا أنّ جميعَ توَقّعاتي خابتْ دونَ رجعةٍ .

وتضيفُ: منذُ الشهورِ الأولى لزواجِه؛ برزَ الفرقُ بالمعاملةِ مع زوجتِه الثانيةِ؛ خاصةً وأنه يقطنُ بالشقةِ المقابلةِ، وكنتُ أشاهدُ طريقةَ التعاملِ معها على مدارَ اليومِ ، يناديها بأرَقِّ الأسماءِ وأطيَبِها على سمعي، يجلبُ لها الهدايا والملابسَ، ويصطحِبُها إلى المطاعمِ والأماكنِ العامةِ ، يقضي عندَها سائرَ أيامِ الأسبوعِ ، وتطوّرَ الأمرُ عندما بدأتْ بالإنجابِ.. وكبرَ الأبناءُ وبدأوا يشعرونَ بالتفرقةِ بينَهم ، وكنتُ في كثيرٍ من الأحيانِ أحاولُ أنْ أخفّفَ من وقعِ الصدمةِ على صغاري؛ وأقولَ لهم لأنهم أصغرُ منكم سِناً ، لكنْ كذبتي لم تصمدْ في سنواتِ مراهقتِهم وشبابِهم .

وتتابعُ: عندما كبرَ الأبناءُ؛ فهِموا جيداً أني وإيّاهم ضحيةُ زوجٍ لا يَعدلُ بينَ زوجتَيهِ، ولا بينَ أبنائه على الرغمِ من الحبِّ الذي يُكِنُّه لهم ، إلّا أنهم كبروا وهم يشعرونَ بحجمِ الحرمانِ والوجعِ في قلوبِهم؛ ما انعكسَ بالسلبِ على علاقتِهم بأشقائهم ، وعلاقتِهم بوالدِهم ، ولولا الاحتواءُ العاطفي الذي كنتُ أُمثِّلُه في حياتِهم؛ لأصبحوا أكثرَ بؤساً.

أمّا أم عُمر الحداد فتقولُ لـ” السعادة “:” بعدَ زواجي بخمسِ سنواتٍ؛ أخبرَني زوجي برغبتِه في الزواجِ بثانيةٍ، وبعدَ مشاوراتٍ ومناوراتٍ استمرّتْ لأشهُر، تزوّجَ امرأةً أخرى؛ وأسكَنها بجواري، ومنذُ الأيامِ الأولى للزواجِ جمعَنا معاً، وأوضحَ لنا أنّ كِلتَينا زوجتاهُ، وأنه يحبُّنا بالتساوي، وأنّ محبّتَنا تكبرُ بأفعالِنا الحسنةِ وسلوكِنا الجيدِ.

وتضيفُ: لم أشعرْ بيومٍ من الأيامِ بالتفرقةِ بالمعاملةِ بيني  بينَ زوجتِه ، زياراتُنا مشترَكةٌ، نجلسُ جميعا على مأدُبةِ طعامٍ واحدةٍ ، نتسوقُ معاً، نشاهدُ التلفازَ معاً، ومع ذلكَ لكُلِّ واحدةٍ فينا حياتُها المستقلةُ، إذا تغدّينا في منزلي اليومَ؛ فإنّ غداءَنا القادمَ في منزلِ ” ضرّتي ” .

وتتابعُ: عندما تطلبُ إحدانا أيَّ شيءٍ منه؛ فإنه يجلبُ منه اثنينَ “لي واحدٌ، ولها واحدٌ” ، إذا تحدّثَ معي عبرَ الهاتفِ أثناءَ العملِ، فسرعانَ ما يتحدثُ مع زوجتِه الأخرى مباشرةً بعدَ إغلاقِ الخطِّ معي ، فهو حريصٌ على أنْ يكونَ عادلاً بينَنا حتى في أدّقِّ تفاصيلِ الحياةِ التي رُبما لا نلتِفتُ لها.

العدلُ القَلبي

أمّا  أبو سعيد “55 عاماً “، متزوجٌ من امرأتينِ، بصراحةٍ بالغةٍ يقولُ لـ” السعادة”:” لم أتمكنْ من تحقيقِ العدلِ القَلبي أو المادي بين زوجتَي ؛ لأنّ إحداهُنَّ استطاعت أنْ تمتلكَ قلبي و عقلي و جيبي ، فلولا إخفاقُ زوجتي الأولى في احتوائي بشكلٍ كاملٍ؛ لَما اتجهتُ أصلاً إلى الزواجِ بأخرى ، فكيف لي أنْ أعدلَ بينهما في الحبِّ والدلالِ والأشياءِ الأخرى ، لكني  أحاولُ قدْرَ استطاعتي أنْ أكونَ منصِفاً وغيرَ مقصّرٍ، أمّا فيما يتعلقُ في الأبناءِ، فيَعلمُ اللهُ أني أعدِلُ بينهما بالحبِّ والدلالِ والمالِ؛ حتى لا تسكنَ الضغائنُ قلوبَهما.

ويضيفُ: عندما تعاتبُني زوجتي الأولى  على عدمِ العدلِ؛ فسرعانَ ما أُلقي بالّلومِ عليها؛ فهي التي أعطتني المجالَ  لزواجي بأخرى ، مؤكّداً أنّ معظمَ الرجالِ لا يفكرونَ بالتعدّدِ إلّا في حالِ عانوا من نقصٍ وعدمِ احتواءٍ أو كثرةِ المشاكلِ والنّكدِ من الزوجةِ الأولى .

في حين يرى أبو جلال “44 عاماً”:” إنّ العدلَ بينَ الزوجاتِ شيءٌ ممكِنٌ؛ لأنه الأصلُ أنْ تِشعِرَ كُلّاً من زوجيكَ أنها سيدةُ قلبِكَ؛ وهذا يحتاجُ منكَ إلى بعضِ الذكاءِ في التعاملِ والدبلوماسيةِ في الردِّ والحسمِ في كثيرٍ من المواقفِ ، والعدلِ في كافةِ مظاهرِ الحياةِ الظاهرةِ ، إضافةً إلى خصِّ كلِّ واحدةٍ منهنّ ببعضِ الخصالِ التي تميّزُها؛ حتى تشعرَ بنوعٍ من التميّزِ بحياتِها .

ويضيفُ: من الصعبِ العدلُ في المحبةِ؛ لأنه أمرٌ خارجٌ عن إرادتي؛ لكنّ العدلَ في المادياتِ أمرٌ واردٌ وممكِنٌ،  منوّهاً أنّ النساءَ هَمُّهنَّ عادةً الحبُّ والدلالُ وليس المادةَ؛ لذا عليكَ أنْ تستخدمَ ذكاءَك ودبلوماسيتَك لتُشعِرَهنَّ بالعدلِ والحبِّ .

من جانبِها تقولُ الأخصائيةُ النفسيةُ “عُلا النورى”:” العِشرةُ الزوجيةُ ضروبُ المحبةِ في النفسِ ، فهو الذي يَسكنُ به الزوجانِ ، ويلتقي فيه الاثنانِ ، ويَشعرانِ بالسعادةِ والاطمئنانِ ، فيكونُ كلٌّ منهما مُتمِّماً للآخَر؛ِ و هذه هي الغايةُ من الزواجِ ، السَّكنُ والراحةُ والاطمئنانُ ، ولا يتأتّى ذلك إلّا بالعدلِ والرحمةِ، وأداءِ الحقوقِ من كِلا الزوجينِ للآخَرِ ، والقسمِ بين الزوجاتِ ، والحذرِ من المَيلِ لواحدةٍ دونَ الأخرياتِ .

صراعٌ دائم

وتضيفُ: عدمُ العدلِ بين الزوجاتِ يُعرّضُ الزوجةَ المظلومةَ إلى الكثيرِ من الويلاتِ النفسيةِ، والتأثيراتِ السلبيةِ التي تُفقِدُها ثِقتَها بنفسِها، وتقتلُ سعادتَها، وتدمّرُ حياتَها، وتحوّلُها إلى حياةٍ شبيهةٍ بحياةِ البؤسِ، تكابدُ فيها النّكدَ والغدرَ والقهرَ ، فلا تسكنُ الراحةُ قلبَها ، ما يُعرّضُها لأنْ تكونَ عرضةً للاضطراباتِ النفسيةِ، والعيشِ المتواصلِ في قائمةٍ تَطولُ من المشاكلِ والتوتُرِ وعدمِ الاستقرارِ، كما يمكنُ أنْ تعيشَ الكثيرُ من النساءِ حالةً من الإحباطِ والانطواءِ والانعزالِ والخوفِ والاكتئابِ المزمنِ.

 مؤكّداً أنّ عدمَ العدلِ بينَ الزوجاتِ يُحوّل حياةَ الزوجِ إلى صراعٍ دائمٍ بينَ الحقِّ والباطلِ؛ ما يُضعِفُ الاستقرارَ الأسريَّ للعائلةِ بالكاملِ، حتى على صعيدِ زوجتِه الثانيةِ التي تصبحُ طرَفاً دونَ رغبتِها بالنزاعِ .

ويتابعُ: إضافةً إلى تأثيراتِ الأمرِ على حياةِ الأبناءِ، الذين يمثّلونَ الركيزةَ الأولى لاستقرارِ الأسرةِ وتطوُّرِها، وما ينتجُ عن ذلكَ من مشكلاتٍ متواصلةٍ بسببِ شعورِهم بالتفرقةِ في المحبةِ، أو شعورِهم بظُلمِ والدتِهم وعدمِ تماسُكِهم كأُسرةٍ واحدةٍ، يجمعُهم همٌّ وهدفٌ وطموحٌ واحدٌ .

منوّهاً أنّ غيابَ الجوِّ الأسري السليمِ ينعكسُ تلقائياً على سلوكِ الأبناءِ؛ بسببِ فقدانِهم الاطمئنانَ النفسيّ، والعيشَ في أجواءٍ من الغيرةِ والحسدِ بينَهم وبينَ أشِقائهم من زوجاتِ أبيهم،  والذي قد يتطوّرُ إلى حالةٍ من النفورِ والكُرهِ إذا ما تطوّرتْ حالةُ الظلمِ التي تعيشُه  والدتُهم، أو إذا ما لمسوا بشكلٍ واضحٍ التفريقَ بالمعاملةِ من قِبلِ وَليِّهم .

وتنصحُ “النوري” الرجلَ المُعدِّدَ بضرورةِ وضعِ مخافةِ اللهِ بينَ عينَيهِ؛ خاصةً في التعاملِ مع زوجاتِه، وعليه الفِقهَ بأمرِ الدّينِ؛ لأنّ العدلَ بينَ الزوجاتِ هو أصلُ التعدُّدِ، وعليه أنْ يراعيَ _كرجلٍ راعٍ_ كافةَ الإشكالاتِ النفسيةِ والاجتماعيةِ والطبيعيةِ الأنثويةِ في كافةِ مراحلِها، وأنْ يتعاملَ مع زوجاتِه بالحنكةِ والذكاءِ الاجتماعي .

من جانبِه أوضحَ الدكتور “محمد شريدة”، دكتورُ الفِقهِ الإسلامي بجامعةِ النجاحِ الوطنية:” إنّ العدلَ بينَ الزَّوجاتِ حقٌّ ، وسببٌ في صلاحِ الأُسرةِ واستقرارِها، وحصولِ التوافُقِ والوِئامِ بين أفرادِها؛ ولهذا جعلَ اللهُ القدرةَ على العدلِ بينَ الزوجاتِ شرطًا لجوازِ التعدُّدِ، لقولِه في كتابِه العزيز :” فانكِحوا ما طابَ لكم من النساءِ مثنَى وثُلاثَ ورُباعَ فإنْ خِفتُم ألّا تَعدِلوا فواحدةً أو ما مَلكَتْ أيمانُكم “.

ويضيفُ: لكنْ إذا لجأَ الإنسانُ إلى حاجةٍ وضرورةٍ للتعدّدِ، فالعدلُ شرطٌ وواجبٌ بينَ الزوجاتِ، ومُخالفةُ هذا الواجبِ حرامٌ، وإثمٌ لقولِ النبي (صلى الله عليه وسلم):”من كانت له امرأتانِ فمَالَ إلى إحداهُما جاءَ يومَ القيامةِ وشِقُّه مائلٌ ” وهذا إشارةٌ إلى قُبحِ عدمِ العدلِ بينَ الزوجاتِ.

ليس وَجاهة

ويتابعُ: لكنّ العدلَ المُطلَقَ بينَ الزوجاتِ في كلِّ شيءٍ أمرٌ غيرُ مقدورٍ عليه، وإنما الواجبُ هو العدلُ بينهنَّ فيما يَقدِرُ عليه الإنسانُ، ويَدخلُ تحتَ طاقتِه، في الأمورِ الفعليَّةِ الظاهرةِ، أمَّا المَيلُ العاطفي، والمَحبَّةُ القلبيَّةُ، وما يَتبعُ ذلكَ من الجماعِ ونَحوِه؛ فهو أمرٌ خارجٌ عن إرادةِ الإنسانِ، يفرضُ نفسَه عليه من غيرِ اختيارٍ منه.

ويوضّحُ “شريدة” مفهومَ العدلِ بينَ الزوجاتِ، والمقصودَ به بالدرجةِ الأولى؛ هو العدلُ في المَبيتِ أولاً، والنفقةِ والتعهدِ بالرعايةِ وقضاءِ مستلزماتِ الحياةِ، أمّا الحبُّ فلا يدخلُ في مفهومِ العدلِ؛ لأنّ الحبَّ مسألةٌ قلبيةٌ، و لا يمكنُ التحكّمُ بها ، ولكنّ الممنوعَ أنْ يُظهِرَ هذا الحبَّ، وأنْ يترتبَ عليه أحكامُ المعاملةِ، وأنْ يُظهرَ الحبَّ لواحدةٍ أكثرَ من الأخرى.

ويواصلُ: العدلُ بينَ الزوجاتِ من أوجبِ الواجباتِ؛ لأنّ المرأةَ في الغالبِ لا حيلةَ لها ولا اختيارَ بسببِ ارتباطِ مصيرِها بزوجِها، ولهذا قال النبيّ صلى الله عليه وسلم: “اتقوا اللهَ في النساءِ فإنهُنَّ عَوانٌ عندَكم أخذتموهُنّ بأمانةِ اللهِ واستحلَلتُم فروجَهنَّ بكلمةِ اللهِ” .

ويتابعُ: في عدمِ العدلِ بينَ الزوجاتِ ضياعٌ للأمانةِ، وتفريطٌ وخيانةٌ ، فالمرأةُ أمانةٌ في عُنقِه ، ومسؤولٌ عنها أمامَ اللهِ ، لقولِه صلى الله وعليه وسلم  : ” الرجلُ راعٍ في بيتِه ومسؤولٌ عن رعيّتِه ” ، مُحذراً الرجلَ المُعدِّدَ من نقضِ العهدِ مع اللهِ ، أو التفريطِ فيما ائتمنَه اللهُ عليه من الزوجاتِ ، فالتعدّدُ ليس وجاهةً ولا جاهاً ولا تفاخُراً ولا تكاثُراً ، بل التعدُّدُ شرعُ اللهِ لِخلقِه ، فمَن لم يستطعْ العدلَ فلا يَحِلُّ له التعدُّد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى