مقالات

كيف أدارت غزة أزمة جائحة كورونا

بقلم: سميرة نصار

منذ انتشار فايروس كورونا  (كوفيد -19) في فبراير من العام الجاري دخل العالم بشرقه وغربه في مأزق ضعفه لمواجهة هذا الفايروس أو القضاء عليه أو حصر انتشاره.

ظهر ضعف المنظومات الداخلية للدول الكبرى وبانت سوءة وهشاشة منظوماتها الصحية حتى أعتى الدول التي تغنى الجميع بصلابة بنائها السياسي والاقتصادي والصحي، فما بال الحال في الدول الضعيفة اقتصاديا وسياسيا وصحيا؟!

لم يستأذن الفايروس لدخول فلسطين عبر الضفة المحتلة لالتصاقها الجغرافي بالكيان الصهيوني الذي عانى من الانتشار السريع والواسع للوباء بين مواطنيه.

حيث سجلت فلسطين أول حالة في الخامس من آذار/مارس بمدينة بيت لحم بعد مخالطتها لسياح يونانيين، بعدها قام الرئيس محمود عباس بإعلان حالة الطوارئ، وما لبث أن قرر رئيس الوزراء اشتيه تنفيذ قرار الرئيس وخوض إجراءات احترازية لحماية المواطنين من هذا الفايروس.

كما التزمت غزة بقرار الطوارئ فبدأت بمكافحة الفايروس بإمكانات معدومة وحصار شديد طويل الأمد فاق الاثنا عشر عام، وكانت أول الإجراءات التي قامت بها إدارة غزة لجائحة كورونا في منتصف آذار الماضي هي بدء  الحجر الصحي للوافدين من خارج غزة فقد أعلنت وزارة الداخلية إخضاع 51 مسافر للحجر الصحي الإجباري لمدة 14 يوم في مدرسة مرمرة كإجراء احترازي من فايروس كورونا.       

 ورغم الإمكانيات المتواضعة والشحيحة لغزة فقد قامت ببناء مجمعين للحجر الصحي في زمن قياسي  تضمن ألف غرفة لحجر الوافدين عبر المعابر مخافة من احتمالية اصابتهم بالفايروس.

 والجدير بالذكر أنه في تلك الفترة الزمنية أعلن الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش عن اطلاق خطة بقيمة مليارَي دولار لتمويل جهود مكافحة كورونا في أفقر بلدان العالم، لكن الحصار المفروض على غزة حرمها حتى من  المساعدات الدولية لمواجهة الوباء العالمي.

وقد أدى تضافر الجهود الشرطية والصحية والبلدية في غزة إلى حصر الفايروس وعدم وصوله للعمق السكاني حيث أن جميع الإصابات التي سجلت في غزة من الوافدين المخالطين والتي كانت تكشف في الفحوصات الأولية في فترة الحجر فينتقل المصاب من الحجر الاحترازي إلي الحجر العلاجي حتى المعافاة التامة وعودته الي بيته سالما.

سجلت غزة حالة وفاة واحدة لامرأة طاعنة في السن وهذه مؤشرات واضحة لإدارة راشدة تعاملت مع أزمة الجائحة وكأنها خطر بمستوى الأمن القومي، كما أنه لا أحد يمكن أن يغفل أن الحصار الذي أثر اغلق صمامات الحياة في غزة  كان هو عبارة عن صمام حياة في هذه الازمة بالذات لأن غزة لا تتمتع سوى بمعبرين هما معبر رفح ومعبر بيت حانون (إيرز)  فعدم وجود المعابر المائية والموانئ ساعد في سيطرة الحكومة على المداخل والمخارج، ولم تغلق المعابر كما دعا الكثيرون، ولم تغفل الحكومة أهلها في الخارج بل كانت تفتح المعابر بين الفينة والأخرى لاستقبالهم والتعامل معهم عبر البرتوكول الصحي المناسب في هذه الأزمة الصحية.

كما لم ينكر أحد أن هناك متابعات حثيثة من قبل وزارتي الداخلية والصحة حيث الإجراءات الصارمة التي تطال عناوين وقامات ومسئولي أجهزة في حال غفلت عيونهم وحتى لو كان تقرير صحفي يهدف الي تصدير صورة مقصدها الخير.

أيضا من الصور الجديرة بالاحترام في إدارة غزة لهذه الأزمة حينما استقبلت الأسير بعناق القلوب ونقله الفوري إلى الحجر الصحي والاكتفاء فقط بمشاهدة ذويه عن بعد حفاظا على سلامتهم جميعا.

وكذلك مطاردة الهارب من الحجر الصحي وأخذ الاحتياطات اللازمة في المربع الذي اخترقه.

وآخر المشاهد جمالا كانت صناعة تلك المناورة للتأكد من الجاهزية وتفقد مواطن القوة والضعف في المنظومة العامة.

كما صناعة المشهد الإعلامي المسئول والمناسب لهذه الحقبة الزمنية لتكوين منظومة ثقافية وتوعوية في حياة المواطنين.

لا أحد ينكر أن هناك استرخاء عند المواطن في غزة وذلك ليس قلة وعي وانما شعوره بالأمان أن فايروس كورونا فقط في الأطراف وعلى أبواب المحاجر الصحية.

 غزة أضعف المنظومات اقتصاديا وسياسيا وصحية ولكنها بركة التفكير السليم وحسن الاستعداد وإخلاص النية وترك النتائج مكفولة لقوة الله تعالى.

فكل التحايا للجيوش البيضاء في وزارة الصحة التي عملت وما زالت ليل نهار لحمايتنا من هذا الوباء.

كل التحايا لوزارة الداخلية التي خططت ونفذت بدقة وحيطة عالية.

كل التحايا لوزارة الحكم المحلي ولوزارة الأوقاف والاعلام الحكومي والصحفيين الذين كانوا على قدر المسئولية في هذا الظرف الاستثنائي.

 كل التحايا لمن جعل هم الوطن والمواطن في قلبه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى