مجلة السعادةمقالات

لا تتَحاملوا فتُؤذوا أحبابَكم!

إسماعيل الثوابتة: كاتب وإعلامي فلسطيني

كان ثلاثةٌ من الأطفالِ يلعبونَ داخلَ منزلِهم بِكُرةِ قدمٍ مصنوعةٍ من الجِلدِ، وأثناءَ لعبِهم؛ كَسرَ أحدُهم زجاجَ نافذةٍ صغيرةٍ في المنزلِ؛ فلمّا سمعَ والدُهم الصوتَ؛ أقبلَ على الفورِ إلى المكانِ وسألَ: مَن الذي قامَ بكَسرِ النافذةِ؟

من شِدّةِ الخوفِ اعترفَ الأطفالُ على أخيهِم المتوسطِ؛ بأنه هو مَن كسرَ النافذةَ؛ دونَ أنْ يُدرِكوا عواقبَ الحادثةِ.

لم يتمالَكْ الوالدُ أعصابَه في تلكَ اللحظةِ؛ فتناولَ عصاً غليظةً؛ وأقبلَ على وَلدِه المتوسطِ؛ وبدأَ يضرِبُه ضرباً مُبرحاً على كلِّ أنحاءِ جَسدِه؛ حتى تَورّمَ جسمُه وازرَقّ جِلدُه!

أخذَ الطفلُ يصرخُ ويبكي بكاءً شديداً من شدّةِ الضربِ، فلم يَعُدْ قادراً على الحراكِ، ومن شدّةِ الألمِ جرَّ قدَميهِ جرّاً إلى فِراشِه؛ وهو يشكو الإعياءَ والألمَ، فأمضى ليلتَه فَزعاً خائفاً؛ ولم تُغمَضْ عيناهُ من شِدّةِ الوجعِ طيلةِ الليلةِ.

ولمّا أصبحَ الصباحُ؛ جاءت الأمُّ لتوقِظَ وَلدَها، فرأتْه لم يَنَمْ، ورأتْ يدَيهِ مُخضَرّتَينِ من الضربِ المُبرحِ الذي تعرّض له ليلةَ أمسٍ من والدِه؛ حينما كَسرَ زجاجَ النافذةِ الصغيرةِ، فصاحتْ في الحالِ؛ وهبَّ الأبُ إلى حيثُ الصوتِ، وعلى ملامحِه أكثرُ من دهشةٍ!

لقد رأتْ الأمُّ ما رأتْ من آثارِ الضربِ على جسدِ ولدِها الضعيفِ؛ فقامَ والدُه بنقلِه إلى المستشفى؛ لِيَلحَقوا به وليَطمئنوا على حالتِه، وبعدَ الفحصِ رأىَ الطبيبَ أنّ اليدَينِ الاثنتَينِ مُتسمِّمَتانِ، وتَبيّنَ أنّ العصا التي ضُربَ بها الطفلُ كان فيها مجموعةٌ من مساميرَ قديمةٍ صَدِئةٍ، وقد ضربَ وَلدَه بها دونَ أنْ يَنتبِهَ الأبُ وقتذاكَ لها من شدّةِ غضبِه وذروَةِ عنفوانِه.
تغرّزتُ المساميرُ في يدَيِ الطفلِ؛ وتسرّبَ الصدأُ الذي أصبح سُمّاً إلى جسمِه؛ فقرّرَ الطبيبُ بأنه لابدَّ من بَترِ يدَيِ الطفلِ حِفاظاً على جَسدِه؛ وحتى لا يَسري السُّمُّ إلى سائرِ جسمِه، فوقفَ الأبُ مصدوماً؛ وهو يردّدُ في نفسِه: ما الذي فعلتُه في وَلدي! ما الذي جعلَني أصِلُ إلى هذا الحدِّ من القسوةٍ لدرجةِ أنّ وَلدي أصابَه التسمُّمُ؛ وباتَ على مَقرُبةٍ من البترِ! وقفَ حائراً لا يعرفُ ماذا يفعلُ! وماذا يقول!

فكَرّرَ الطبيبُ عليه مراراً: ينبغي عليكَ اتخاذَ القرارِ الآنَ بالموافقةِ على بَترِ يدَي طفلِكَ الاثنتَينِ قبلَ فواتِ الأوانِ؛ وإلّا فإنّ السّمَّ سيَتسرّبُ إلى باقي الجسدِ، والأمرُ لا يَحتمِلُ التأخيرَ، فاليومَ قد تُقطَعُ الكفُّ، وغداً رُبما تُقطَعُ الذراعُ، وإذا تأخّرْنا رُبما سنَضطّرُّ إلى قطعِ اليدِ من المرفقِ، ولاحِقاً من الكتفِ، وكلّما تأخّرْنا أكثرَ؛ تَمدّدَ السمُّ إلى جسمِه أكثرَ؛ ورُبما يموتُ لو تأخَّرْنا.
كلُّ هذا والوالدُ في حالةِ ذهولٍ، وموقفٍ لا يُحسَدُ عليه! فلم يَجِدْ حيلةً إلّا أنْ يُوقّعَ مُكرَهاً على إجراءِ عمليةِ بَترِ يدَيِ ابنِه الضعيفِ.

دخلَ الطبيبُ غرفةَ العملياتِ؛ وعلى الفورِ بَترَ كفتَي الطفلِ الاثنتَينِ؛ وبعدَ أنْ أفاقَ الطفلُ من آثارِ التخديرِ؛ نظرَ وإذا يداه مقطوعتَينِ! صُدِمَ الولدُ صدمةَ الحياةِ؛ ثُم نظرَ إلى والدِه نظرةً أساحتْ جِلدَ وَجهِه، نظرَ له نظرةَ المتوسِّلِ الخائفِ، وقال له: واللهِ يا أبتاه لن أكسِرَ شيئا في منزلِنا مرّةً أخرى؛ ولكنْ أرجوكَ أنْ تُعيدَ لي يدَيَّ الاثنتَينِ!

في هذه اللحظةِ كان يتمنّى الأبُ أنْ تنشَقَّ الأرضُ وتَبتلِعَه، إذْ لم يَحتملْ كلامَ ابنِه المكلومِ، الذي فقدَ يدَيهِ لسببٍ بسيطٍ لا يَصِلُ إلى ما وصلوا إليه! لقد ضاقتْ السبُلُ بالوالدِ، وضاقَ ذَرعاً بما فعلَ، ولم يجِدْ وسيلةً للخلاصِ والهروبِ من هذا الموقفِ! حتى وصلتْ به الحالُ إلى إلقاءِ نفسِه من نافذةِ المستشفى؛ ليُنهيَ حياتَه مُنتحِراً، فكانت نهايتُه نهايةً مؤلمةً.

تُذَكّرُنا هذه القصّةُ القصيرةُ بحديثِ أبي هريرة رضي الله تعالى عنه الذي نقلَه عن رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم حينما قال: “ليس الشديدُ بالصُّرَعةِ؛ إنما الشديدُ الذي يَملكُ نفسَه عندَ الغضبِ”.

هل سألْنا أنفُسَنا سؤالاً: كم كُنّا قُساةً في مواقفَ تافهةٍ؛ لا تستدعي هذا الكَمَّ الهائلَ من التحاملِ والإيذاءِ؟ وهل حاولْنا ذاتَ مرّةٍ أنْ نتجاوزَ مِثلَ هذه المواقفِ بالتغافلِ؟ أو حتى أنْ ننتصرَ على أنفُسِنا بضبطِ انفعالاتِنا؛ لكي لا نَصِلَ إلى مرحلةِ الندَمِ؟

هي رسالةٌ لي ولكم جميعاً؛ بأنْ نحذوَ حذوَ مَن سبقونا من العظماءِ بأفعالِهم، والأجِلّاءِ بسيَرِهم، نضبطُ انفعالاتِنا ونقوِّمُ سلوكياتِنا؛ لأنّ الندمَ لن يفيدَ في وقتٍ لاحقٍ، وحتى لا نَصِلَ إلى ما وصلَ إليه الأبُ مع طفلِه المَكلومِ.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى