تقارير

الفرجارُ، والمشارطُ، وفرشاةُ الأسنانِ؛ أدواتُ تطويعِ لوحاتِ الجبسِ الفنيةِ

تقرير: السعادة

“أنا لا أنساكِ فلسطينُ”، “على هذه الأرضِ ما يستحقُّ الحياةَ”؛ كلماتٌ نُحِتَتْ في بطنِ مادةٍ جامدةٍ لتتحوّلَ إلى لوحةٍ ناطقةٍ؛ يعشقُها الفلسطينيونَ، ويقتنونَ مُعظمَها في بيوتِهم لدلالتِها الوطنيةِ، ولأنها صُنعتْ بحبٍّ عميقٍ وهوايةٍ متقَنةٍ؛ اختلطَ فيها حُبُّ الوطنِ مع محاولةِ تأريخِ كلِّ ما هو فلسطينيّ  

بمسبارِ الأسنانِ اللامعِ؛ ينحتُ “الهندي” الجبسَ؛ ليُبرِزَ أبوابَ قبّةِ الصخرةِ، حانيًا رأسَه ومرتديًا نظارةً طبيّةً تُعينُه على نحتِ أدَقِّ التفاصيلِ؛ ويبقى على هذه الهيئةِ نحوَ (10) ساعاتٍ يوميًا؛ تمتدُّ في بعضِ الأحيانِ إلى أسبوعينِ؛ حتى يُنهي مَنحوتَاتِهُ بكُل تفاصيلِها الشغوفةِ.

يوسف الهندي (29 عاماً) يسكنُ في مخيمِ الشاطئِ للاجئينَ غربَ مدينةِ غزة، فنانٌّ تشكيليٌّ، وأخصائي اجتماعي ونفسي في إحدى المؤسساتِ الدوليةِ، إذ لم يَمنعْهُ عملُه من التفرّغِ لساعاتٍ طويلةٍ من يومِه للنحتِ على الجبسِ لصناعةِ لوحاتِه، وترجمةِ أفكارِه الفنيةِ المختلفةِ.

ويقولُ الهندي لـ “السعادة”: “الفكرةُ قديمةٌ؛ لكني أحاولُ تجديدَها عبرَ التصاميمِ الوطنيةِ المميزةِ واللافتةِ، وعباراتِ المشاهيرِ والشعراءِ، في اللوحاتِ التي لا تغيبُ عنها خريطةُ فلسطينَ والكوفيةُ وحنظلةُ، والتي تمثّلُ لنا كفلسطينيينَ رموزاً مُهِمّةً”.

متعةٌ كبيرةٌ

يبتاعُ الهندي المادةَ الخامَ للجبسِ؛ ويخلطُه بالماءِ وموادٍ أخرى تزيدُ من متانتِه وقوتِه؛ بحيثُ لا يتعرضُ للكسرِ أوِ “الحت” بعواملِ البيئةِ، ومنوّهاً أنّ للنحتِ على الجبسِ متعةً لا يجدُها الفنانُ في موادٍ أخرى؛ لأنها تمنحُه القوامَ المناسبَ، والزوايا الصحيحةَ؛ كما يريدُها بسهولةٍ ويُسرٍ، وإمكانيةُ التعديلِ _عادةً_ متاحةٌ فيه.

ويضيفُ: النحتُ على الجبسِ ليس سهلًا _كما يظنُّ البعضُ_، بل يحتاجُ إلى صبرٍ وبالٍ طويلٍ، ودقّةٍ، ومشقةٍ، ولا أدواتٌ مخصصةٌ له؛ بل نحاولُ تطويعَ العديدِ من الأدواتِ لصالحِ هذا الفنِّ الجميلِ، فمِن أدواتي مثلاً؛ الفرجارُ الهندسي، والمشارطُ، وفرشاةُ الأسنانِ، وأدواتُ دكتورةِ الأسنانِ، والسكاكينُ الرفيعةُ، وأدواتُ صيانةِ الجوالاتِ، والكثيرُ من الأشياءِ التي أصادِفُها.

يوضحُ “الهندي” أنّ هوايةَ النحتِ بدأتْ عندَه منذُ فترةٍ طويلةٍ، لكنّه امتهنَ العملَ فيها منذُ عدّةِ سنواتٍ؛ بعدَ أنْ درسَ هندسةَ الديكورِ التي عزّزتْ لديهِ قدراتِه، ومكّنتْهُ من تطويرِ عملِه بشكلٍ أفضلَ، إلى أنْ أصبحَ ينحِتُ عباراتِه باللغتينِ العربيةِ والإنكليزيةِ.

 يبيّنُ “الهندي” أنّ اللوحةَ الواحدةَ تمرُّ بمرحلةِ التخطيطِ للفكرةِ، وتنفيذِ الرسمِ على ورقٍ، أو عبرَ “الفوتوشوب”،  ثُم صبِّ الجبسِ في القالبِ الذي سأنحتُ التفاصيلَ عليها، وبعدَ الانتهاءِ ألوِّنُها ثُم أقومُ بتثبيتِها على قطعةٍ من الخشبِ، وتغليفِها بالنايلونِ الشفافِ، وإبعادِها عن مصادرِ الرطوبةِ؛ حتى تظلَّ برَونقِها الأولِ، مستطرداً أنّ بعضَها يحتاجُ يوماً لتنفيذِها، وأخرى تستغرقُ أسبوعينِ في النحتِ حسبَ تفاصيلِها وحجمِها، مؤكّداً أنّ الشغفَ لحرفةِ النحتِ هو ما يهوّنُ التعبَ والجهدَ الذي يُبذلُ فيها.

المَنحوتاتُ أولادي

ويتابعُ: “المنحوتةُ مِثلَ الطفلِ، فهي عبارةٌ عن صفحةٍ بيضاءَ ما تشكّلُه بها وتنحِتُه فيها؛ ستلاقي نتيجتَه المُبهِرةَ فيما بعدُ، ومقدارُ ما تضعُه من إبداعٍ ستَجِدُه في النتيجةِ النهائيةِ؛ لذا أعُدُّ كلَّ المنحوتاتِ أولادي؛ فهي تَكبرُ بينَ يديَّ؛ وأُسمِّيها بتمَعُّنٍ _كما أسمّي أبنائي_، فهذه اسمُها “على هذه الأرضِ” والتي ذاعَ صيتُها بعدَ الانتهاءِ منها، ومِثلُها صكُّ الملكيةِ، والأرضُ المقدسةُ”، ولكنّ آخِرَ الأعمالِ التي أثّرتْ في نفسِه منحوتةٌ تَحملُ خارطةَ فلسطينَ؛ ونحتَ فيها رقمَ (72) الذي يشيرُ إلى عُمرِ النكبةِ الفلسطينيةِ، مُطلِقاً عليها اسمَ “72 وطن”.

ويُقبِلُ الغزّيونَ والمغتربونَ بشكلٍ كبيرٍ جداً على المنتوجاتِ الإبداعيةِ التي تجسّدُ القضيةَ الفلسطينيةَ بقِطعٍ فنيةٍ. ويلفتُ الفنانُ الفلسطيني إلى أنّ العملَ بالنحتِ مُرهِقٌ للغايةِ، ويقولُ: “من الصعبِ تحويلُ مادةٍ جامدةٍ إلى لوحةٍ فنيةٍ؛ تنطقُ بالجمالِ، وتُحرّكُ الأحاسيسَ”.

ويوضّحُ:” إنّ بعضَ القطعِ تحتاجُ إلى عدّةِ أيامٍ كي يتِمَّ إنجازُها بالشكلِ المطلوبِ؛ ما يجعلُ الناسَ تعتقدُ أنّ هذه المنحوتاتِ من صُنعِ الآلاتِ؛ لكنّ ذلكَ لا يُحبِطُني؛ بل يمثّلُ لي حافزاً وفخراً، ويشعرُني أنّي وصلتُ إلى درجةِ الاحترافِ الجميلِ، وأنّ أصابعي تتشابَهُ مع الماكينةِ والآلةِ.

الاحتلالُ والحصارُ

وما يلفتُ الانتباهَ أنّ “الهندي” يختارُ اسماً لكُل منحوتةٍ يصنعُها من بناتِ أفكارِه، ويلفتُ أنه يستوحي الأسماءَ من شكلِ المنحوتةِ، أو من تكوينِها والنصوصِ الموجودةِ فيها، أو من الفكرةِ التي تقدّمُها، أو من أبياتِ شعرٍ للشاعرِ الفلسطينيّ محمود درويش، أو جبران خليل جبران، أو نزار قبّاني.

وعن الصعوباتِ التي يواجِهُها الهندي يقولُ لـ ” السعادة”: ” أكبرُ معيقٍ هو الاحتلالُ الإسرائيليّ، الذي يفرضُ حصاراً أثّرَ على كافةِ النواحي الاقتصاديةِ في القطاعِ، ويعدِمُ فُرصَ المشاركةِ في معارضَ ودوراتٍ خارجيةٍ لكُلِّ متذوّقي الفنِّ، علاوةً على منعِ تصديرِ منحوتاتي للضفةِ الغربيةِ، ودولٍ حولَ العالمِ، لاسيّما وأنّ هذه المنحوتاتِ مرغوبةٌ عالمياً؛ يمكنُ الاحتفاظُ بها لسنواتٍ طويلةٍ؛ وتبقَى كتحفةٍ فنيةٍ تزينُ المكانَ، وتزيدُه جمالاً، ويحرصُ كثيرونَ على اقتنائها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى