مجلة السعادةمقالات

هل الحبُّ حرامٌ؟

بقلم: دعاء عمار

ماما عندي سؤالٌ: دائمًا أستقبلُ هذه العبارةَ من أبنائي بمشاعرَ مختلَطةٍ بين الفُجأةَ والاندهاشِ، والحيرةِ في الجوابِ والإحراجُ في أحيانٍ كثيرةٍ.. خاصةً عندما تتعلقُ الأسئلةُ بفترةِ النموِّ والمراهَقةِ، وأصبحُ في حرَجٍ من الإجابةِ بشكلٍ يُخرجني من الحرجَ، ويوقِعُهم في الحيرةِ أكثرَ، والبحثِ في أماكنَ لا تُرضيني، أو تُجاوِزُ اضطّرابي وإجابتَهم بما يُقنِعُهم، ويفتحُ لهم البابَ للتفكُّرِ أكثرَ، والاقتناعِ كي يمارسوا الدِّينَ بعدَ ذلكَ عن اقتناعٍ.

الكاتبة دعاء عمار

الحبُّ ليس حرامًا، كانت هذه الكلمةُ _قبلَ أنْ أُجيبَ ابنتي بها_ بوابةَ هجومٍ من صديقاتي قبلَ ذلكَ، عندما أناقِشُهُنَّ حولَ المبادئِ والأفكارِ عموماً، إذْ كيف نُخبِرُ مراهِقاً أو مراهقةً أنّ الحُبَّ ليس حراماً! فنفتحَ البابَ أمامَهم على مِصراعيهِ؛ وهم في ثورةِ المشاعرِ، وفوَرانِ الشهوةِ؛ بحيثُ يُعطيهِم هذا الجوابُ باباً للوقوعِ في أخطاءٍ أخرى.

بينما كان جوابي بضرورةِ التفريقِ بينَ الفعلِ القلبي، الذي لا يملكُ إنسانٌ سيطرةً عليه؛ وبينَ الفعلِ المحسوسِ المَبني على ذلكَ الشعورِ، وقبلَ ذلكَ الاقتناعُ أنّ هذا الشعورَ حقيقٌ؛ ليس عارضاً بسببِ طبيعةِ المرحلةِ التي يمُرُّونَ بها.

بمَعنَى، لا يمكنُ أنْ نجيبَ بنَعمٍ أو لا مجرّدَةً هكذا؛ بلِ الجوابُ يفتحُ البابَ أمامَ حلقاتٍ من الحوارِ والحديثِ حولَ المشاعرِ عموماً، والأفكارِ في تلكَ المرحلةِ التي يمُرّونَ بها، ومرَرْنا بها من قبلُ، وبدَلاً من جعلِ كلِّ شيءٍ مخيفاً لهم، وحراماً عليهم؛ ما الضرَرُ من إفهامِهم أنّ الأمورَ في الدِّين كلُّها حلالٌ؛ ما لم يَرِدْ نَصٌّ بتحريمِها، وأنّ الحياةَ جميلةٌ ما دامتْ في إطارِ الشرعِ، ولم تُخالِفْهُ، الإشكالُ _فقط_ يقعُ عندما لا نَعرفُ ما الذي يجبُ علينا فِعلُه؟ عندما يتغَلغلُ ذلكَ الشعورُ الجميلُ في القلبِ؛ ويتملكُ العقلَ فيَتيهُ عن التفكيرِ السليمِ والتصرّفِ المقبولِ.

لذا، الحبُّ ليس حراماً؛ بل هو ضرورةٌ لا بدَّ منها لكُلِّ إنسانٍ عاقلٍ يمتلكُ رحمةً في قلبِه، ولكنْ هل هو الحبُّ العابرُ الطارئُ؟ أم هو الحبُّ الذي يُختبَرُ في موازينِ العقلِ؟ هل هو الشعورُ الذي يتقلّبُ كلَّ يومٍ بينَ شخصٍ وآخَرَ، أَم هو إلحاحٌ لا يتغيّرُ بطولِ البعدِ، أو ملازمةِ القربِ؟ بسوءِ الصفاتِ أو بجميلِها، بحلاوةِ المنظرِ أو ببساطتِه؛ كلُّ ذلكَ وأكثرُ يعطي الحبَّ أبعادًا يجبُ على العقلِ أنْ يُعمِلَ نفسَه فيها؛ حتى يستقِرَّ الحبُّ أو نأمُرَه بالابتعادِ.

الشعورُ بِحَدِّ ذاتِه ليس حراماً؛ لكنّ ما يَتبَعُ ذلك من تفاصيلَ في الفعلِ؛ هو الذي يُسيغُه إمّا حلالاً أو حراماً، فلو كان ممّا يمكنُ البُعدُ عنه بالعقلِ؛ لَما كان دعاءُ النبيّ _عليه الصلاةُ والسلامُ_ اللهمَّ هذا قَسمي فيما أملكُ؛ فلا تلُمْني فيما لا أملكُ؛ كنايةً عن حبِّه لعائشةَ _رضي الله عنها_ أكثرَ من حبِّه لأزواجِه _رضيَ اللهُ عنهنَّ، ولو كان غيرَ مقبولٍ لَما استمعَ النبيُّ _عليه الصلاةُ والسلامُ_ لقصائدِ العربِ، ولا لتلكَ التي مدَحَه فيها “كعب بن زهير” وبدأَها بالغَزلِ، ووصفَ امرأةً أحبَّها على عادةِ العربِ في قصائدِهم.

ولكنْ ما يجبُ قولُه؛ أنّ الحبَّ مقرونٌ بالعفافِ، وأجملُ الحبِّ ما تَخلّقَ الإنسانُ فيه بأخلاقٍ فضيلةٍ؛ فلا اعتداءَ ولا فُحشَ؛ بل احتراماً وثقةً وحفظاً للنفسِ، وصوناً للعِرضِ؛ وإلّا كان نزوةً تهبطُ بصاحبِها لمراتبِ الأنعامِ دونَ جدالٍ.

لذا، فالحقيقةُ لا بدَّ من إيضاحِها بجمالٍ وصراحةٍ؛ دونَ ترْكِ عقولِهم الغضّةِ تبحثُ “يمنةً ويسرةً” عمّا يُشبِعُ فضولَها الفيّاضَ، والإنسانُ إنْ لم يرتَوِ من نبعٍ صافٍ؛ بحثَ عن بحرٍ يملؤه؛ وحينَها لن تُشبِعَه بحورُ الدنيا السبعةُ، ولو حازَها، ثُم يَتبعُ ذلكَ تعليمُ الأبناءِ على صرفِ النفسِ وميولِها إلى ما ينفعُ في الدارَينِ من جِدٍّ واجتهادٍ، وأنهم في مرحلةِ بناءٍ وعملٍ أَولَى لهم أنْ يبذُلوا في سبيلِها كلَّ إحساسٍ وطموحٍ دونَ تسفيهٍ لشعورٍ على حسابٍ آخَرَ، ومن أجملُ ما يُحفزُ على ذلكَ ذِكرُ النبيِّ _عليه الصلاةُ والسلامُ_ أنَّ أحدَ من يُظِلُّهم اللهُ بظِلِّه يومَ لا ظِلَّ إلّا ظِلُّه؛ شابٌّ نشأَ في طاعةِ اللهِ.

وليس الأمرُ باليسيرِ في هذا الزمنِ؛ إلّا على مَن استعانَ باللهِ واستعصمَ..، وإلّا فلْيَكنْ في العِفّةِ كصاحبِ هذه الأبياتِ:

سمِعنا أطَعنا ثُم مُتنا فبلِّغوا.. سلامي إلى مَن كان للوصلِ يَمنعُ

هنيئاً لأربابِ النعيمِ نعيمَهم.. وللعاشقِ المسكينِ ما يتَجرّعُ.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى