مجلة السعادة

طقمٌ رسميٌّ، وقلمُ ماركةُ، ونظارةٌ طبيةٌ، وآيفون، وضحيةٌ

مجلة السعادة / ديانا المغربي

صاحبُ قصةِ اليومِ مختلفٌ قليلاً؛ إذْ يفتحُ قبلَ مغادرتِه لمنزلِه خزانتَه الممتدّةَ والمليئةَ بعشراتِ البدْلاتِ الرسميةِ؛ ذاتِ الألوانِ المختلفةِ؛ والتي مُجرَدُ  أنْ يرتديها؛ حتى يتحوّلَ إلى شخصيةٍ مرموقةٍ، ولا يتوقفُ الأمرُ على البَدْلاتِ فقط؛ فلا استغناءَ عن القلمِ ذي الماركةِ المعروفةِ، ولا دفترِ الملاحظاتِ المدموغِ بعلامةِ أحدِ البنوكِ الكبرى؛ إضافةً إلى نظارةٍ طبيةٍ تزيدُه هيبةً ووقاراً، و جهازِ جوالِ “آيفون”؛ إضافةً إلى جهازَينِ آخَرَينِ من نوعيةٍ بسيطةٍ؛ يتلقَّى عليهما غالبيةَ اتصالاتِه اليوميةِ من ضحاياهُ ؛ تجعلُ كلَّ من ينظرُ إليهِ؛ يدركُ أنه شخصيةٌ مرموقةٌ تعملُ في أحد أهم الوزاراتِ أوِ المؤسساتِ الأهليةِ؛ حيثُ يتواجدُ غالبيةَ نهارِه أمامَ أبوابِها.

يبدأُ صباحَه أمامَ أحدِ الوزاراتِ في حديثٍ مع أيِّ شخصٍ قد يلقاهُ أمامَه؛ ليُعطيَ للذينَ أمامَه انطباعاً أنه صاحبُ حلٍّ وربْطٍ في هذه الوزارةِ، وأنّ الدنيا قائمةٌ على الأخذِ والعطاءِ، وخدمةِ الناسِ؛ حتى يقعَ في فريستِه اليوميةِ؛ وهى بالعادةِ أحدُ المراجِعينَ في الوزارةِ؛ والذي يريدُ إنهاءَ معاملتِه بأيِّ شكلٍ من الأشكالِ ، والجديرُ ذِكرُه أنه عندما تقعُ في يدَيه ضحيةٌ لدَيها إجراءاتٌ روتينيةٌ وسهلةٌ ينصحُه بالطريقةِ التي يُمكِنُه من خلالِها إنجازَها بسرعةٍ؛ أمّا إذا كانت الفريسةُ تنوي إجراءاتِ معاملةٍ فيها من (اللفُّ والدّوَرانُ) والتعدّي على القانونِ والحقوقِ، أو بعضِ الواسطةِ والمحسوبيةِ؛ فإنه يبدأُ بقصّتِه؛ ويطلبُ منه أنْ يكلّمَه عبرَ الهاتفِ لدراسةِ موضوعِه .

وهنا تبدأُ القصةُ الحقيقةُ عندما ينتحِلُ صفةً إداريةً كبيرةً في الوزارةِ؛ ويزعمُ أنه باستطاعتِه إنهاءَ المعاملةِ بالشكلِ المطلوبِ؛ مقابلَ مبلغٍ ماليّ يدفعُه الزبونُ على دفعتينِ: الأُولى مقدَّما، والثانيةُ بعدَ انتهاءِ المعاملةِ، ولِيَضمنَ رِضا الضحيةِ؛ يطلبُ دفعةً صغيرةً من المالِ لا تتعدَّى ألفَ شيكل؛ ويأخذُ الأوراقَ بعدَ إيهامِ الضحيةِ أنّ المعاملةَ تحتاجُ إلى فترةٍ زمنيةٍ لا تقِلُّ عن شهرٍ؛ لأنه سيُخلِّصُها من مقرِّ الوزارةِ برام الله، وأنّ الأمرَ لابدَّ أنْ يكونَ طيَّ الكتمانِ؛ حتى لا تَعرفُ حكومةُ غزةَ بالأمرِ! ما قد يعرِّضُ الاثنَينِ للمساءلةِ الكاملةِ.

بعدَ أنْ يتمَّ الاتفاقُ؛ ويدفعَ الطرَفُ الثاني المبلغَ الأولَ، يعطيهِ أرقامَه الشخصيةَ؛ ويغادرُ للعملِ في اليومِ التالي.. يرتدي صاحبُ قصتِنا بدْلةً جديدةً؛ ويعيدُ نفسَ الدورِ ونفسَ التفاصيلِ أمامَ وزارةٍ جديدةٍ، أو مؤسّسةٍ جديدةٍ.. وفى كلِّ يومٍ يجدُ فريسةً مناسبةً؛ يحتالُ عليها في قصةٍ جديدةٍ، والغريبُ بالأمرِ أنه رُبما يلتقي بأكثرَ من زبونٍ خلالَ اليومِ أمامَ الوزارةِ الواحدةِ!

تمكّنتْ المباحثُ من إلقاءِ القبضِ على صاحبِ القصةِ اليومَ؛ بعدَ تلقِّي عدةِ شكاوَى على فتراتٍ متباعدةٍ؛ تحومُ كلُّ الأوصافِ فيها حولَه؛ وأيضاً بعدَ ورودِ بعضِ المعلوماتِ من أمنِ أحدِ الوزاراتِ عن  تواجدِ شخصٍ بشكلٍ مستمرٍّ أمامَ مقرِّ الوزارةِ ، بينما لا يدخلُ أبوابَها، أو يقومُ بالمراجعةِ فيها .

تبيّنَ أنّ صاحبَ القصةِ اليومَ قد قامَ بتلَقي رشاوَى من خلالِ عملياتِ احتيالٍ؛ تَصِلُ إلى آلافِ الدولاراتِ ، في حين تبيّنَ أنّ عددَ ضحاياهُ وصلَ إلى قرابةِ مِائةِ شخصٍ!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى