مجلة السعادةمقالات

أهـلاً (2021)

بقلم / مؤمن عبد الواحد … دكتور التنمية البشرية

عامٌ مضى وآخَرُ قادمٌ ، عامُ غرِقنا في  تفاصيلِه، وبَكينا على أطلالِه، وعامٌ قادمٌ نخشَى قدومَه تارةً، ونأمَلُ أنْ يكونَ مختلفاً ، والحقيقةُ أنّ السنينَ هي مجردُ أرقامٍ  وأعدادٍ ، فالصِّفرُ يصبحُ واحداً  والعشرونَ تصبحُ إحدى وعشرينَ، ولا تَحملُ لنا أُمنياتٍ، ولا تحقّقُ طموحاتٍ .

يا صديقي : الأعــــــوامُ والسنونَ مواقيتُ ومحطاتٌ جعلَها الخالقُ نقاطَ توَقّفٍ ، وإعادةَ انطلاقٍ ، نتوقّفُ لنُقيِّمَ ما فاتَ ،  ونُعيدَ شحْذَ الهِمَمِ ورفْعَ الهاماتِ ، و ننطلقُ إلى الهدفِ التالي، والطموحِ القـادمِ .

هي نقاطُ تَزَوُّدٍ بالوقودِ؛ لتؤكّدَ لذاتِك أولاً أنك الأجدرُ بعمارةِ الأرضِ، والأقوى على التقدّمِ والاستمرارِ نحوَ قدَرِ اللهِ بمَعيَّتهِ ، وبمقامِك وقدراتِك الرائعةِ الواثقةِ .

محطاتٌ يا صديقي؛ لتصرخَ في وجهِ الألمِ، وتحطّمَ ما تبقَّى من أثرِه و أوجاعِه ، فلا كورونا ولا غيرَها يُثنيني عن طريقي و مساري، أو يَحرِفُ بوصلةَ الحبِّ داخلي ، فعِشقُ الأرضِ وجَعي، وانتمائي لترابِها نورُ عينَيّ ، فإشراقُ شمسِ غزةَ هي ساعاتُ انتظارٍ وترَقُّبٍ لِعزٍّ قادمٍ وفَخارٍ لذاتي ، فهي وَقودي وسرُّ انطلاقي .

فلا تسافرْ إلى عامِك بآلامِك و أوجاعِك؛ بلِ اَنتَظِرْ عامًا جديدًا بمتغيّراتٍ جديدةٍ وأشياءَ جميلةٍ ، مَعذرةً يا ولدي.. لن تكونَ كذلكَ قبلَ أنْ تمحوَ الماضي، وتسافرَ بزادٍ ومدادٍ يَحملُ بينَ ثناياهُ   رغبةً وطموحاً بيَومٍ أفضلَ ، أنت من يصنعُ الأفضليةَ للغَدِ؛ بروحِكَ وجميلِ سلوكِك، وبحُسنِ ظنِّك باللهِ وأيامِه .

عامٌ مضى نَنتَزعُ منه أوجاعاً سالفةً ، وهموماً ماضيةً ، لنَتمنى من الوافدِ الجديدِ والعامِ السعيدِ؛ أنْ يكونَ مختلفاً وسعيداً ، فمَن ملأَ الوجعُ قلبَه، وهَيمنَ على حياتِه اليأسُ والفتورُ؛  كيف للسعادةِ أنْ تُعانقَ قلوباً مُقفلةً؛  تنتظرُ الغدَ بدموعِ الخوفِ والوجعِ، وبآهاتٍ محبوسةٍ ، وعيونٍ حزينةٍ أرهقَها الانتظارُ خلفَ أسوارِ الماضي !

يا صديقي : تخلَّصْ من عامِكَ الماضي وآلامِه؛ واحتفِظْ بذكرياتِكَ الجميلةِ، وقصصٍ أو مواقفَ نجاحٍ صنَعتَها بجهدِكَ وبقوةِ يقينِك ، وبروعةِ شخصيتِك، واحتفظْ بمَعيةِ اللهِ لتستقبلَ عامَكَ الجديدَ بوَعيٍّ كامل، وإدراكٍ عميقٍ، أنكَ قادرٌ على أنْ تكونَ قيمةً وقامةً ؛ بل إضافةً لهذا العامِ لا عِبئاً على أيامِكَ ومُرهِقاً لها .

يا صديقي : كُن قمراً يضيءُ سنينَ العتمةِ ، وشمساً تَقشعُ غيوماً مُلبَّدةً ، ولا تُعانقْ هَمهمةَ الرعدِ، ولا تخشَ وميضَ البَرقِ،  فهُم عناوينُ لقطراتِ ماءٍ قادمةٍ ، فافتحْ عينيكَ لِترى زهوراً متفتحةً ، ووروداً تنثرُ عَبقَها في بقاعِ الأرضِ ، لتستقرَّ شجيراتُ الحبِّ بينَ جَنْبيكَ .

حقيقةً.. إنّ الأرضَ لم تُخلقْ لتكونَ جنَّتَكَ؛ لكنها سبيلُك إلى جِنانِ اللهِ بعَمارِكَ لها، وبحضورِك عليها تكنْ جنّتَكَ وربيعَ حياتِكَ .

يا صديقي: كُن أنت كي تنفعَ مجتمعَكَ، وتساهمَ في بناءِ أُمتِك، واستعادةِ دورِها الرياديّ، وسطَ ظلماتٍ وظلمٍ، وسطَ جهلٍ وضياعِ علمٍ ، رُبما تشعرُ بالفخرِ يوماً، وبِهمّةِ الرجالِ تلامسُ ذاتَك.

كُنْ ما تشاءُ؛ ولكنْ كُن فلسطينيَّ الهوَى ، عربيَّ الهويةِ ، مُسلمَ الانتماءِ ، تفخرُ بثرَى وطنٍ، وتعشقُ ماءَه ، بلا لونٍ أو رائحةٍ ، ولكنْ برائحةِ الحُبِّ وطعمِ العشقِ لقطراتِ ندَى غزيّةٍ ، كُن مُتنكِّراً لماضٍ مؤلمٍ ، ورافضاً لواقعٍ ضبابيِّ الصورةِ ، وكُن مُستقبَلاً مُشرِقاً لغدٍ تكونُ أنت فيه أصلاً لا صورةً ..  مُشرِقاً بعيونِك الجميلةِ ، بعيونِك الفلسطينيةِ الأصيلةِ ،  كُن  أنت و كُن ما تشاءُ، و لا تكُنْ نسخةً من أحدٍ ؛ بل كُن أصلاً  على الدوامِ  ، امضِ فما زلت أنتَ فارسَ الأحلامِ، وحبيبَ الأيامِ، ومن أنفاسِكَ نستمدُّ الحياةَ، وبعزيمتِكَ نتسلقُ الجبالَ، ومن بينِ كتفيكَ تشرقُ الشمسُ، وتتناثرُ أشعتُها بينَ جفنيكَ؛ لينمو أُكسيرُ حياتِنا من جديدٍ …كُن أنت لنكونَ أُمّةً اشتاقتْ لمَجدٍ وأمجادٍ ، فكُن أنت في عامِكَ القادمِ بثوبِ جديدٍ .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى