دين ودنيا

وعلى الأعراف رجال

بقلم دكتور/ نصر فحجان – غزة

من كتاب: (قضايا تفسيرية تحت الضوء)

     يقول الله تعالى: (وبينهما حجاب وعلى الأعراف رجال يعرفون كلاً بسيماهم ونادوا أصحاب الجنة أن سلام عليكم لم يدخلوها وهم يطمعون 46 وإذا صرفت أبصارهم تلقاء أصحاب النار قالوا ربنا لا تجعلنا مع القوم الظالمين) {الأعراف: 46-47}.

      المشهور في تفسير هذه الآيات أنّ أصحاب الأعراف هُم مَن تساوَتْ حسناتهم وسيئاتهم، وهو تفسير يحتاج إلى مزيد من النظر وإعادة التدبّر والتأمّل والتفكير، خاصّة أنه لا يخدمُه السياق، ولا يحتمله المعنى، ولا يقبله الموقف.

      وقبل البدء في الحديث عن الآيات السابقة، ومعرفة المُراد بقوله تعالى: (وعلى الأعراف رجال)، فإنّه يجدُر بنا النظر في السياق الذي سبق هذه الآيات، ليساعدنا على فهم الآيات مجتمعة، حيث تحدثت الآيات: 40، 41، و42، و43، و44 من سورة الأعراف عن دخول الكافرين النار، ودخول المؤمنين الجنة، كما يلي:

      يقول الله تعالى في شأن دخول الكافرين للنار: (إن الذين كذبوا بآياتنا واستكبروا عنها لا تفتح لهم أبواب السماء ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط وكذلك نجزي المجرمين 40 لهم من جهنم مهاد ومن فوقهم غواش وكذلك نجزي الظالمين) {الأعراف: 41-42}.

      فالذين كذبوا بآيات الله قد دخلوا نار جهنم، وهم يُعذَّبون فيها من تحتهم ومن فوقهم، جزاءً من الله تعالى لهم على تكذيبهم بآيات الله واستكبارهم عنها، وبإجرامهم وظلمهم.

      وفي شأن دخول المؤمنين للجنة يقول الله تعالى: (والذين آمنوا وعملوا الصالحات لا نكلف نفسًا إلا وسعها أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون 42 ونزعنا ما في صدورهم من غل تجري من تحتهم الأنهار وقالوا الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله لقد جاءت رسل ربنا بالحق ونودوا أن تلكم الجنة أورثتموها بما كنتم تعملون) {الأعراف: 42-43}.

      وفي هذه الآيات نرى أنّ المؤمنين قد دخلوا الجنة فعلًا، وأنّ الله تعالى قد نزع ما في صدورهم من غِلّ، وأنهم تجري من تحتهم الأنهار، وأنهم يشعرون بالسعادة، ويحمدون الله تعالى على توفيقه لهم في الدنيا بأنْ هَداهُم لهذا المصير الجميل، وهذا النعيم المقيم، فينادَوْن: (أن تلكم الجنة أورثتموها بما كنتم تعملون)، أيْ إنّ هذه الجنة لكم تملكونها بما كنتم تعملون من طاعة لله تعالى في الدنيا.

      ويبدو من ترتيب الآيات أنّ الكفار يدخلون النار قبل أنْ يدخل المؤمنون الجنة، فإذا دخل الكفار النار أُغلِقَت عليهم: (إنها عليهم مؤصدة) {الهمزة: 8}، وفي هذا زيادة نعيم من الله تعالى للمؤمنين بأنهم يرَون كيف أنّ الله يُنجّيهم من العذاب.

      وبعد دخول الكافرين للنار، ودخول المؤمنين للجنة، ينادي أصحابُ الجنة أصحابَ النار بطريقة وقوانين لا نعلمها، ويسألونهم سؤال المنتصر الذي رأى بنفسه انتصار الحق الذي يؤمن به، وفي الوقت ذاته يزيد سؤال أصحاب الجنة من شدة العذاب على أصحاب النار: (ونادى أصحاب الجنة أصحاب النار أن قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقًا فهل وجدتم ما وعد ربكم حقًا قالوا نعم فأذن مؤذن بينهم أن لعنة الله على الظالمين) {الأعراف: 44}.

      ومن الآيات السابقة يتبيّن لنا أنّ دخول الكافرين للنار، ودخول المؤمنين للجنة، قد تمَّ وانتهى قبل الحديث عن أصحاب الأعراف الذين سيكون لهم دور وصلاحيات منحها الله تعالى لهم، كما سيظهر لاحقًا.

(وبينهما حجاب):

      أيْ بين الجنة والنار، والحجاب فيه معنى المفارقة والعزل والفصل، وقد جعل الله بينهما حجابًا يفصل ويفارق بينهما، فالجنة محجوبة عن النار، والنار محجوبة عن الجنة، ويمكن القول أيضًا: إنّ أصحاب الجنة محجوبون عن أصحاب النار، وأصحاب النار محجوبون عن أصحاب الجنة، فلا يرى فريقٌ الفريقَ الآخر، ولا يختلط فريقٌ بالآخر كما كانوا في الدنيا.

       والحجاب في العادة يمنع من الرؤية ولا يمنع من السماع، فالرجل الذي يحجُب عينيه بيده أو بشيء فإنه لا يرى الأشياء، لكنه يبقى يسمع كل ما يصل إلى أذنيه، وهذه أمثلة من القرآن الكريم على هذا:

1. الكفار الذي كانوا يحضُرون محمدًا صلى الله عليه وسلم وهو يقرأ القرآن كان بينه وبينهم حجاب مستور، ومع ذلك كانوا يسمعونه، ولا يفقهونه بسبب ما جعل الله على قلوبهم من أكِنّة، كما في قوله تعالى: (وإذا قرأت القرآن جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجابًا مستورًا 45 وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقرًا وإذا ذكرت ربك في القرآن وحده ولّوا على أدبارهم نفورًا) {الإسراء: 45-46}.

2. وفي قوله تعالى: (فاتخذت من دونهم حجابًا فأرسلنا إليها روحنا فتمثل لها بشرًا سويًا) {مريم: 17}، نجد أنّ مريم عليها السلام اتّخذت من أهلها حجابًا ليسترها، لا ليمنع عنها صوت أهلها، فلو ناداها أحدٌ منهم لسمعته.

3. وقوله تعالى: (وإذا سألتموهن متاعًا فاسألوهن من وراء حجاب) {الأحزاب: 33}، وفي هذه الآية دلالة صريحة على أنّ المُراد من الحجاب هو حجب الرؤية، لا حجب السماع، فالمؤمنون كانوا يسألون نساء النبي صلى الله عليه وسلم من وراء حجاب، وهُنّ كُنّ يسمعْنَهم.

4. وخيل سليمان عليه السلام التي توارتْ هي وفرسانها بالحجاب عندما ابتعدت عن الأعين، لم يمنع الحجاب عنها وعن فرسانها الصوت والسماع، كما في قوله تعالى: (إذ عرض عليه بالعشي الصافنات الجياد 31 فقال إني أحببت حب الخير عن ذكر ربي حتى توارت بالحجاب 32 ردوها علي فطفق مسحًا بالسوق والأعناق) {ص: 31-33}، فَرَدُّها إليه يدل على وصول الصوت والسماع إليها وإلى فرسانها رغم احتجابهم.

5. وقوله تعالى: (وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيًا أو من وراء حجاب أو يرسل رسولاً فيوحي بإذنه ما يشاء إنه عليم بذات الصدور) {الشورى: 51}، يشير إلى أنّ الله تعالى لا يراه أحدٌ من البشر بسبب حجابه عزّ وجلّ، ولكنّ كلامه سبحانه يصل إلى البشر  المُوحى إليهم، فالحجاب يمنع الرؤية ولا يمنع السماع.

6. وفي قوله تعالى: (ونادى أصحاب الجنة أصحاب النار أن قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقًا فهل وجدتم ما وعد ربكم حقًا قالوا نعم فأذن مؤذن بينهم أن لعنة الله على الظالمين)  {الأعراف: 44}، دليل على وجود حجاب بينهما، لكنه لم يمنع النداء والسماع.

      وكذلك في قوله تعالى: (ونادى أصحاب النار أصحاب الجنة أن أفيضوا علينا من الماء أو مما رزقكم الله قالوا إن الله حرمهما على الكافرين) {الأعراف: 50}، فإنّ وجود هذا الحجاب بين الجنة والنار لم يمنع السماع بينهما.

      فبين الجنَّة والنار حجابٌ يفصل ويعزل ويحجب بينهما، وأصحابُ الجنة ينادُون أصحابَ النار مع وجود هذا الحجاب، وأصحابُ النار ينادُون أصحابَ الجنة مع وجود هذا الحجاب، ولا يمنع هذا الحجابُ السماعَ.

     والله تعالى وحده الذي يعلم كيف يكون هذا النداء والسماع بينهما؟ ويبدو أنه سيكون له قوانين خاصة، وتقنيات لا نعلمها، لكننا يمكننا الاستئناس بما يقوم به الإنسان في هذا العصر من التواصل مع غيره بالصوت والصورة في نفس الوقت، برغم ما بين الناس من حدود وحُجُب تحجُب الرؤية واللقاءات المباشرة، فهذا من علم الله تعالى الذي علَّمه لنا في الدنيا، فكيف سيكون الأمر يوم القيامة؟

– (وعلى الأعراف رجال):

      جاء في التفسير الكبير للرازي: (وأما الأعراف فهي جَمْع عُرْف، وهو كل مكان عالٍ مرتفع، ومنه عُرْف الفَرَس، وعُرْف الديك، وكلُّ مُرتفِع من الأرض عُرْف، وذلك بسبب ارتفاعه يصير أعْرَف ممّا انخفض منه).( )

      فهذه الأعراف أماكنُ عاليةٌ مرتفعةٌ في الجنة تُشرف على ما بداخلها، وتُشرف على ما بخارجها، أيْ إنَّ الرجال الذين يكونون على هذه الأعراف لا بدّ أنْ يكونوا في داخل الجنة، فيرَوْن مِن على هذه الأعراف كلَّ شيء في الجنة، ويرَوْن كلَّ شيء خارج الجنة.

      وهؤلاء الرجال الذين يكونون على أعراف الجنة العالية ويرَوْن ما فيها، ويرَوْن ما هو خارجها، هُم رجالٌ مؤمنون لهم صلاحياتٌ خاصَّة قد خصَّهم الله تعالى بها، فَهُم أعلى منزلةً، وأرفع مقامًا من سائر أهل الجنة، ولهم أنْ يشفَعوا عند الله تعالى بإذنه، ولهم أنْ يأمروا ويأْذنُوا بدخول الجنة للبقيَّة الذين لم يدخلوا من المؤمنين، ولهم أنْ يُقَرِّعوا أصحاب النار من الكافرين، وهُم شهداء الله تعالى على أعمال الناس.

وهؤلاء الرجال يتصفون بصفات، منها:

أوَّلًا: إنّهم رجال (ليسوا ملائكة وليسوا نساءً):

      يقول الله تعالى: (وعلى الأعراف رجال)، وفي هذا تصريح بأنهم ليسوا من الملائكة، فالملائكة ليسوا رجالًا وليسوا نساءً، ولكنهم عباد مكرمون لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يُؤمرون.

      وفي الوقت نفسه هم رجال، وليسوا نساءً، مع ما في مفردة (رجال) من دلالات القوة والذكورة، وهو كما في قوله تعالى عن الأنبياء والمرسلين الذين لم يكن أحدٌ منهم من النساء: (وما أرسلنا من قبلك إلا رجالًا نوحي إليهم من أهل القرى) (يوسف: 109).

ثانيًا: (يعرفون كلاً بسيماهم):

      وقد خَصَّ الله تعالى هؤلاء الرجال بأنهم يعرفون أصحاب الجنة، وأصحاب النار بسيماهم وعلاماتهم وصفاتهم، وفي هذا إشارة إلى أنهم كانوا يعرفونهم في الدنيا، ما يجعل القولَ بأنهم هم الأنبياء أقربَ من أيِّ قول آخر، فليس أحدٌ أعلى درجةً من الأنبياء ليكونوا على الأعراف

      والأنبياء سيكونون على الأعراف شهداء الله تعالى على الناس، وسيشهدون على أقوامهم وأممهم، وسيشهد عليهم جميعًا نبي الله محمد صلى الله عليه وسلم، كما في قوله تعالى: (فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدًا) {النساء: 48}.

ثالثًا: يتكلمون بإذن الله تعالى:

      هم رجال يأْذن الله تعالى لهم بالكلام في وقت لا يتكلم فيه أحدٌ إلا بإذنه، كما في قوله تعالى: (لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمن وقال صوابًا) {النبأ: 38}

      وهم يَشْفَعُون بإذن الرحمن للبقيَّة الذين لم يدخلوا الجنة من المؤمنين، ويأذنون لهم بدخول الجنة: (يومئذ لا تنفع الشفاعة إلا من أذن له الرحمن ورضي له قولاً) {طه: 109}

رابعًا: يقولون صوابًا يُرضي الله تعالى:

      وهم عندما يأذن الله تعالى لهم بأنْ يتكلموا فإنهم يتكلمون بما هو صواب: (لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمن وقال صوابًا) {النبأ: 38}، فقولهم للبقية المؤمنة الذين لم يدخلوا الجنة: (ادخلوا الجنة) هو صوابٌ يرضاه الله تعالى

      ويتكلمون بما يُرضي الله تعالى: (يومئذ لا تنفع الشفاعة إلا من أذن له الرحمن ورضي له قولاً)  {طه: 109}، وتقريعهم للكافرين في النار هو صوابٌ ممّا يرضاه الله تعالى لهم

البقية المؤمنة الذين تأخّروا في دخول الجنة:

      يقول الله تعالى: (ونادوا أصحاب الجنة أن سلام عليكم لم يدخلوها وهم يطمعون)

      في هذه الآية إشارة إلى أنَّ بقيَّةً من المؤمنين مِن أصحاب الجنة قد تأخّر دخولهم للجنة، وفي قوله تعالى: (لم يدخلوها وهم يطمعون) دليل على أنّ كل أصحاب الجنة قد قَضَى الله تعالى في شأنهم وأنهم قد دخلوا الجنة، وأنّ كلّ أصحاب النار قد قَضَى الله في شأنهم وأنهم قد دخلوا النار، ولم يبْقَ أحدٌ من أصحاب الجنة أو من أصحاب النار لم يُقْضَ في شأنهم إلا هؤلاء البقيَّة من المؤمنين الذين سيشْفَع لهم أصحابُ الأعراف، ويأْذَنُون لهم بدخول الجنة.

      وأصحاب الأعراف من الأنبياء يُنَادُون هؤلاء البقيَّةَ من المؤمنين ويُطمئنونهم بقولهم: (سلام عليكم) أيْ لا خوف عليكم، في إشارة إلى أنهم سيدخلون الجنة، وأنّ تأخّرهم في الدخول، وتأخّر القضاء في شأنهم، جعلهم يطمعون أنْ يدخلوها.

      وهؤلاء البقيَّة من المؤمنين الذين تأخّروا ولم يأذن الله تعالى لهم بدخول الجنة، هم في خوف وتوجّس، خاصّة عندما تُصْرَف أبصارُهم نحو النار ومَنْ فيها من الكافرين، فيشعرون بالخطر والخوف ويتوجّهون إلى الله بالدعاء أنْ لا يجعلهم مع القوم الظالمين: (وإذا صرفت أبصارهم تلقاء أصحاب النار قالوا ربنا لا تجعلنا مع القوم الظالمين).

      ويبدو من الآيات أنّه لم يبْقَ أحدٌ من البشر خارج الجنة وخارج النار غير هؤلاء البقية من المؤمنين، وأنهم آخر مَن يُقضَى في شأنهم، وأنهم هم الذين سيَشْفَع لهم أصحابُ الأعراف بإذن من الله تعالى

فمَن هؤلاء؟

      لا بُدّ أنْ يكون هؤلاء قد أرْجَأَهم الله تعالى وأخّرهم، وأرْجَأَ القضاء في شأنهم لأمره سبحانه، وهو ما نجده ظاهرًا بيِّنًا في قوله تعالى: (وآخرون مرجون لأمر الله إما يعذبهم وإما يتوب عليهم والله عليم حكيم) {التوبة: 106}، فهم مُرجَوْن لأمر الله تعالى، يتأخّرون عن سائر أهل الجنة في دخولها، يظلّون ينتظرون قضاء الله فيهم.

      وقد يكون هذا الإرجاء والتأخير لاستواء حسناتهم وسيئاتهم، فلا تُثْقِلُ موازينَهم حسناتٌ، ولا تَخِفُّ موازينُهم بسيئات، فاستحقّوا الإرجاء والتأخير.

      وقد يكون إرجاؤهم لاختلاط أعمالهم الصالحة والسيئة كما في قوله تعالى: (وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملاً صالحًا وآخر سيئًا عسى الله أن يتوب عليهم إن الله غفور رحيم) {التوبة: 102}

      لكنّ قوله تعالى: (عسى الله أن يتوب عليهم إن الله غفور رحيم) فيه إشارة إلى أنّ مصيرهم سيكون المغفرة والرحمة ودخول الجنة.

الشـــفاعة:

      لقد منح الله تعالى أصحاب الأعراف من الأنبياء صلاحياتٍ لم يمنحها لغيرهم من المؤمنين، وهذه الصلاحيات تُؤهّلهم لأنْ يشفَعُوا عند الله تعالى للبقيّة المؤمنة الذين تأخّروا في دخول الجنة، وهم في الوقت ذاته مؤهّلون لمخاطبة الكافرين من أصحاب النار، وتقريعهم وهم في النار، وتذكيرهم بما كانوا يستكبرون به في الدنيا.

      يقول الله تعالى: (ونادى أصحاب الأعراف رجالاً يعرفونهم بسيماهم قالوا ما أغنى عنكم جمعكم وما كنتم تستكبرون 48 أهؤلاء الذين أقسمتم لا ينالهم الله برحمة ادخلوا الجنة لا خوف عليكم ولا أنتم تحزنون) {الأعراف: 49-50}، فأصحاب الأعراف في الآيات ينادُون رجالًا من أصحاب النار الذين كانوا يستكبرون في الدنيا، ويعرفونهم بصفاتهم وعلاماتهم وسيماهم، ويقرّعُونهم قائلين لهم: (ما أغنى عنكم جمعكم وما كنتم تستكبرون)، فها أنتم تحترقون في نار جهنم ولا ينفعكم سلطانُكم، ولا جمعُكم، ولا قوتُكم، ولا مالُكم، فلم يعُدْ لكم شيءٌ من هذا، وفي هذا تَبْكِيتٌ من أصحاب الأعراف لهم، وزيادة في عذابهم.

      ويبدو من السياق أنّ هؤلاء المستكبرين من السادة والزعماء والكبراء كانوا في الدنيا يمارسون الظلم والطغيان في الأرض، وكانوا يَتَألَّوْن ويُقسِمون على الله تعالى ويفتئتون عليه، ويقولون عن فئة من المؤمنين: لن ينالهم الله برحمة، ولن يكونوا مِن أصحاب الجنة، وأنهم سيكونون معنا في نفس المصير، فيُوجّه أصحاب الأعراف من الأنبياء السؤال لهم: (أهؤلاء الذين أقسمتم لا ينالهم الله برحمة)؟!

      وفي قولهم: (أهؤلاء) إشارة إلى المؤمنين الذين تأخّروا في دخول الجنة، ولم يُقْضَ في شأنهم بعد، أيْ: أهؤلاء المؤمنون الذين ترَوْنهم قد تأخّروا في دخول الجنة هم مَنْ كنتم تزعمون أنهم لن ينالهم الله برحمة؟ وأنهم لن يدخلوا الجنة؟

      وفي هذه اللحظة يأذن الله تعالى لأصحاب الأعراف من الأنبياء بأنْ يشفعوا لهؤلاء المؤمنين الذين لم يدخلوا الجنة، ويقولون لهم: (ادخلوا الجنة لا خوف عليكم ولا أنتم تحزنون)

الخلاصــــة:

      بعد أنْ يَقضي الله تعالى في شأن أصحاب النار من الكافرين فإنهم يُسَاقُون إلى نار جهنم زُمرًا، ولا يبقى أحدٌ منهم إلا وقد دخل النار: (وسيق الذين كفروا إلى جهنم زمرًا) }الزمر: 71{.

      ثُمّ يَقضي الله تعالى في شأن أصحاب الجنة من المُتقين فيُساقون إلى الجنة زُمرًا: (وسيق الذين اتقوا ربهم إلى الجنة زمرًا حتى إذا جاءوها وفتحت أبوابها وقال لهم خزنتها سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين) }الزمر: 73

      لكنه يبقى من أصحاب الجنة بَقِيةٌ يُؤخّر الله تعالى القضاء في شأنهم، حيث خَلَطُوا عملًا صالحًا وآخر سيئًا، وتساوت حسناتهم وسيئاتهم.

      ثم يُهيئ الله تعالى في الجنة (أعرافًا) يراها الجميع لارتفاعها، وهي أماكن عالية ومرتفعة يجعل الله تعالى عليها رجالًا لهم صلاحيات مخاطبة أصحاب الجنة الذين لم يدخلوا الجنة، ومخاطبة أصحاب النار الذين دخلوا النار، ويخصُّ الله تعالى هؤلاء الرجال بالشفاعة لهؤلاء البَقيّة المؤمنين الذين تأخّروا في دخول الجنة.

      والرجال الذين يجعلهم الله تعالى على الأعراف في الجنة هم الأنبياء، وهم أعلى أهل الجنة منزلة، وأرفعهم مقامًا، حيث يُخاطِبون أصحابَ الجنة الذين تأخّر القضاء في شأنهم، ويبادرونهم بإلقاء السلام عليهم، ويقولون لهم: (ادخلوا الجنة لا خوف عليكم ولا أنتم تحزنون).

      وهؤلاء البقية من المؤمنين الذين تأخّر القضاء في شأنهم كان المستكبرون من أصحاب النار يُقسمون في الدنيا على أنهم لن ينالهم الله تعالى برحمة، فَيُقرّعُهم أصحابُ الأعراف من الأنبياء قائلين: (أهؤلاء الذين أقسمتم لا ينالهم الله برحمة)؟، ثم يقولون للمؤمنين على مسمعٍ منهم: (ادخلوا الجنة لا خوف عليكم ولا أنتم تحزنون).

والله أعلى وأعلم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى