الدين والحياةكتاب الثريامدونات الثريا

هل ستُكَلِّم الدابَّةُ يَأجوجَ ومَأجوج؟

(أخرَجْنا لهم دابًّة من الأرض تُكلِّمهم)


بقلم دكتور/ نصر فحجان – غزة

يقول الله تعالى: (وإذا وقع القول عليهم أخرجنا لهم دابة من الأرض تكلمهم أنَّ الناس كانوا بآياتنا لا يوقنون) {النمل: 82}.
الآية تتحدث عن أمرٍ سيحدُث بين يَدَي الساعة بشكل مباشر، وهو خروج دابّةٍ من الأرض تُكلِّم الناس الذين ظلّوا على كفرهم لا يُوقنون بآيات الله تعالى، ويبدو أنّ خروج هذه الدابّة سيكون من أوائل العلامات التي تسبق أحداث الساعة الكبرى، حيث تَنشَقّ السماء، وتُكَوَّر الشمس، وتَنكَدِر النجوم، وتُنسَف الجبال، وتُسَجَّر البحار، وغير ذلك من الأهوال والأحداث التي تُعلِن نهاية الحياة الدنيا.
والنبي صلى الله عليه وسلم يبيّن لنا أنّ خروج الدابّة سيكون قريبًا ومتزامنًا مع طلوع الشمس من مغربها، فعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنه أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إنّ أوَّل الآيات خروجًا طلوع الشمس من مغربها، وخروج الدابّة على الناس ضحى، وأيّهما ما كانت قبل صاحبتها فالأخرى على إثرها) ، وهما آيتان متتاليتان تحدُثان قبل أحداث الساعة مباشرة، إيذانًا بإغلاق باب التوبة، ووقوع القول على الظالمين: (ووقع القول عليهم بما ظلموا فهم لا ينطقون) {النمل: 85}.


لكنّ هناك أشراطًا سيراها الناس قبل هاتين الآيتين، منها:

  1. ظهور الأعور الدجال.
  2. نزول عيسى عليه السلام من السماء إلى الأرض المقدّسة، وقتله للأعور الدجال بباب ” لُدٍّ ” بفلسطين.
  3. خروج يأجوج ومأجوج، وهم من كل حَدَب ينسلون.
    فإذا حدثت هذه الأشراط، فكل ما بعدها سيكون آياتٍ من آيات الساعة، والتي سيكون أوَّلَها طلوعُ الشمس من مغربها، وخروجُ الدابّة.
    فما هذه الدابّة؟ وكيف ستُكلِّم الناس؟
    يقول الله تعالى: (وإذا وقع القول عليهم أخرجنا لهم دابة من الأرض تكلمهم أنَّ الناس كانوا بآياتنا لا يوقنون) {النمل: 82}، وفي الآية إشارات ودلالات تُعيننا على فَهْم المُراد بهذه الدابّة التي تكلم الناس، ومنها:
    أوَّلًا: قول الله تعالى: (وإذا وقع القول عليهم):
    يُشير إلى أنّ هذا (القولَ) هو عذابٌ وعقابٌ من الله تعالى، وأنه (وقع) أيْ نَزَل وثَبَت وحَقَّ وأصاب، وكلمة: (عليهم) تدل على عُلُوِّ هذا العقاب والعذاب الذي يقع على الكافرين المكذبين بآيات الله تعالى، فلا يجدون منه مهربًا، ولا يملكون له رَدًّا، وهو كما في قوله تعالى: (ووقع القول عليهم بما ظلموا فهم لا ينطقون) {النمل: 85}.
    ثانيًا: قول الله تعالى: (أخرجنا لهم دابة).
    يدلّ على أنّ هذه الدابّة كانت موجودةً في الأرض قبل أنْ يُخرِجَها الله تعالى، وأنّها لم تكن ظاهرة قبل إخراجها، ولم تكن مرئيةً للناس، ومن الأمثلة على ما يخرج من الأرض: الماء، والزرع، والبترول، والمعادن، ودابّة الأرض.
    ثالثًا: قول الله تعالى: (دابة):
    والدابّة كلّ مَن مشى مَشيًا رُويدًا، وكلّ مَن كثر شعرُه أو وَبَرُه من الإنسان والحيوان، وكلّ ما له دبيب على الأرض، سواء كان هذا الدبيب مسموعًا أو غير مسموع، وينطبق هذا المعنى على الإنسان، والحيوان، والحشرات، والميكروبات من البكتيريا، والفايروسات وغيرها من الجراثيم والكائنات.
    رابعًا: قول الله تعالى: (دابة من الأرض):
    ُشير إلى أنّ هذه الدابة هي من الأرض، ولم تنزل من السماء، بل هي ممّا يعيش في الأرض كالحشرات والدُّود والجراثيم ونحو ذلك، ومثال ذلك: ما جاء في الآية: (ما دلّهم على موته إلا دابة الأرض تأكل منسأته) {سبأ: 14}، فالدابّة التي شرَعت بالاقتراب والأكل من مِنسأة سليمان عليه السلام، كانت من دوابِّ الأرض التي تحيَا وتعيش في الأرض، ولم تكن مما يعيش على الأرض من الأنعام والبهائم والوحوش.
    خامسًا: قول الله تعالى: (تكلِّمهم):
    المشهور في تفسير هذه الآية أنّ الدابّة التي سيُخرجها الله تعالى من الأرض، ستقوم بمخاطبة الناس والكلام معهم، وستقوم بوسم الناس على وجوههم هذا مؤمن وهذا كافر.
    وهو أمرٌ مُستَبعَدٌ من عدّة وجوه:
    الوجه الأول:
    أنّ كلمة: (تكلِّمهم) جاءت في سياق وقوع القول بعذاب وعقاب الله تعالى على الكافرين الذين لا يُوقنون بآيات الله، فهل من العقاب أنْ تقوم دابّةٌ بالكلام معهم ومخاطبتهم، خاصّة أنّ في الآية إشارة إلى حدوث ما يؤذي الكافرين بسبب تكليم الدابّة، وهو وقوع القول عليهم؟
    الوجه الثاني:
    أنّ التكليم الذي ستُكَلِّم به الدابّةُ الكافرين هو بسبب: (أنَّ الناس كانوا بآياتنا لا يوقنون)، فتكليمها سيكون عقابًا ونكالًا لهم بأنّهم كانوا لا يُوقنون بآيات الله تعالى، ولو كان المُراد بالتكليم هو “الكلام المنطوق” أو “الخطاب المسموع” فهل سيُوقِن الذين وقع القول عليهم بآيات الله إذا سمعوا الدابّة تتكلم معهم؟
    الوجه الثالث:
    إنّ خروج الدابّة من الأرض سيكون من أواخر الأحداث التي ستحدث على الأرض قبيل أحداث الساعة، وسيكون هذا الخروج للدابّة بعد طلوع الشمس من مغربها مباشرة، ومعلوم أنّه لا تُقبل التوبة من الناس إذا طلعت الشمس من مغربها، فلا فائدة من كلام الدابّة مع الناس عن آيات الله تعالى، ودعوتهم ليُوقنوا بها، فعن أبي هريرة رضي الله عنه أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها، فإذا طلعت من مغربها، ورآها الناس آمنوا أجمعون، فذلك حين لا ينفع نفسًا إيمانها لم تكن آمنت من قبل).
    سادسًا: قول الله تعالى: (أنَّ الناس كانوا بآياتنا لا يوقنون وهو يُشير إلى أنّ تكليم الدابّة لهم كان عذابًا وعقابًا من الله تعالى، وهو كما في قوله تعالى: (إنْ نعفُ عن طائفة منكم نعذب طائفة بأنهم كانوا مجرمين) }التوبة: 66{، فالتعبير: (بأنهم كانوا مجرمين)، يشبه التعبير: (أنّ الناس كانوا بآياتنا لا يوقنون)، وفي المَوقعين كان عقابًا وعذابًا.
    فما المُراد بقوله تعالى: (تكلّمهم)؟
    جاء التعبير في الآية بقوله تعالى: (تكلّمهم)، وليس (تتكلم معهم)، وهذا يعني إمكانية أنْ يكون معنى التكليم هو (التجريح)، وهذا مستعمل في اللغة العربية:
    والفعل: كَلَمَ: أيْ جَرَح، فهو مَكْلُوم، وكَلَّمَ أيْ جَرَّحَ، والكَلْم: الجَرْح والجُرْح.
    وفي الحديث الصحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ما مِن مكلومٍ يُكْلَمُ في سبيل الله، إلا جاء يوم القيامة وكَلْمُهُ يَدْمَى، اللونُ لونُ الدّم، والرِّيحُ ريحُ المِسك)( )، وهو ما يشير إلى احتمالية أنْ يكون معنى كلمة: (تكلّمهم) أيْ تُجَرِّحهم..
    وبحسب السياق الذي جاءت فيه كلمة: (تكلّمهم)، واستنادًا إلى المدلول اللغوي لها، والمُعطَيات التي أوردناها، فإنّ إخراج الله تعالى لدابّةٍ من الأرض تُكَلِّم الناس، كان عقابًا وعذابًا لهم، وأنّ أغلب الظن أنْ يكون المُراد بقوله تعالى: (تكلّمهم)، هو: (تُجَرِّحهم).
    ولا شَكَّ أنّ التَّكْلِيم المذكور في الآية الكريمة قد جاء في سياق الحديث عن عذابٍ وعقابٍ للذين لا يُوقنون بآيات الله، ولا ندري كيف سيكون هذا التجريح للناس، ولكننا قد رأينا كيف تفعل بعض الحشرات والجراثيم بالمرضى المصابين بأمراض جلدية، فيضطرون إلى حَكِّ جلودهم بقوة، فتتجرَّح أجسادهم، وتتقرَّح جلودهم في بعض الأحيان، فلا يجدون دواءً يتداوَوْن به، إلى أنْ ينتهي بهم الأمر إلى الموت.
    وقد يكون سبب هذه الأمراض الجلدية بعض حشرات الأرض التي تنتقل إلى الإنسان بطرق وأسباب مختلفة، كالقُمَّل، والبراغيث، والبَقّ، والنَّغَف، والديدان المختلفة، وغير ذلك ممّا لا نعلمه، وما لا يُرى بالعين المجردة، فيتسبب في بعض الأمراض كالجَدَري، والأكْزِيما، والجُذَام، والجَرَب، والصَّدَفِيَّة، والتسلّخات الجلدية، والتشقّقات… وغير ذلك من الأوبئة والأمراض.
    وقد يكون هذا التَّجريح داخليًا في جسم الإنسان، بسبب بعض البكتيريا أو الفايروسات التي تستوطن بعض الأماكن في الجسم، فتُجَرِّحها وتُسبِّب لها الالتهابات الشديدة والتَّلَف، وهو ما يحدث للجهاز التنفسي وخلايا الرئة والشُعَب الهوائية، والحنجرة والقصبة الهوائية، وكذلك ما يحدث للجهاز الهضمي، والقُرحات المختلفة، والنزلات المعوية الخطيرة، وأكثر ما يكون هذا التجريح وهذه الالتهابات عند انتشار الأوبئة، كالطاعون، والكوليرا، والملاريا، والتوفيد، والسُّل، والحَصْبَة، وكوفيد 19 (كورونا)، وغير ذلك من الأمراض والأوبئة القاتلة.
    ولا أستبعد أنْ تكون الدابّة التي يُخرِجها الله تعالى من الأرض وباءً كبيرًا وخطيرًا ينتشر في الناس بسرعة مضطردة، فيُهلِكُهم، ولا يملكون له حلًا أو علاجًا، فيموتون فورًا، ثم تكون أحداثُ الساعة.
    وأغلب الظنّ عندي أنّ هذا الوباء سيكون وباءً قاتلًا وسريع الانتشار، للقضاء على قوم يأجوج ومأجوج الذين لا يؤمنون بالله تعالى، ولا يؤمنون بنبوة عيسى عليه السلام بعد نزوله من السماء، في حينٍ يؤمن به كل أهل الكتاب: (وإنّ من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته ويوم القيامة يكون عليهم شهيدًا) }النساء: 159{، بل يظلّون على كفرهم، ويأتون من كل حَدَب ينسلون إلى فلسطين، ليحاربوا نبيَّ الله عيسى عليه السلام ومَن معه من المؤمنين، وهو كما في قول الله تعالى: (حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج وهم من كل حَدَب ينسلون 96 واقترب الوعد الحق فإذا هي شاخصة أبصار الذين كفروا يا ويلنا قد كنا في غفلة من هذا بل كنا ظالمين) }الأنبياء: 96-97{.
    وهو ما نجده أيضًا في الحديث الصحيح، حيث يُرسِل الله تعالى “النَّغَــــفَ” في رقاب يأجوج ومأجوج، والذي يمكن أنْ يكون هو الدابّة التي يخرجها الله من الأرض تُكلِّمهم وتُجرِّحهم، وتحملُ الوباءَ لهم في رقابهم، فيصبحون فَرْسَى كَمَوتِ نفسٍ واحدة، أيْ: قتلى، يموتون موتًا جماعيًا كلّهم كَمَوت نفس واحدة، فلا يأتي عليهم الصباح إلا وقد ماتوا.
    فعن النواس بن سمعان رضي الله عنه أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: (… وَيَبْعَثُ اللَّهُ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ، وَهُمْ مِن كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ، فَيَمُرُّ أَوَائِلُهُمْ علَى بُحَيْرَةِ طَبَرِيَّةَ فَيَشْرَبُونَ ما فِيهَا، وَيَمُرُّ آخِرُهُمْ فيَقولونَ: لقَدْ كانَ بهذِه مَرَّةً مَاءٌ، وَيُحْصَرُ نَبِيُّ اللهِ عِيسَى وَأَصْحَابُهُ، حتَّى يَكونَ رَأْسُ الثَّوْرِ لأَحَدِهِمْ خَيْرًا مِن مِئَةِ دِينَارٍ لأَحَدِكُمُ اليَومَ، فَيَرْغَبُ نَبِيُّ اللهِ عِيسَى وَأَصْحَابُهُ، فيُرْسِلُ اللَّهُ عليهمُ النَّغَفَ في رِقَابِهِمْ، فيُصْبِحُونَ فَرْسَى كَمَوْتِ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ، ثُمَّ يَهْبِطُ نَبِيُّ اللهِ عِيسَى وَأَصْحَابُهُ إلى الأرْضِ، فلا يَجِدُونَ في الأرْضِ مَوْضِعَ شِبْرٍ إِلَّا مَلأَهُ زَهَمُهُمْ وَنَتْنُهُمْ، فَيَرْغَبُ نَبِيُّ اللهِ عِيسَى وَأَصْحَابُهُ إلى اللهِ، فيُرْسِلُ اللَّهُ طَيْرًا كَأَعْنَاقِ البُخْتِ فَتَحْمِلُهُمْ فَتَطْرَحُهُمْ حَيْثُ شَاءَ اللَّهُ، ثُمَّ يُرْسِلُ اللَّهُ مَطَرًا لا يَكُنُّ منه بَيْتُ مَدَرٍ وَلَا وَبَرٍ، فَيَغْسِلُ الأرْضَ حتَّى يَتْرُكَهَا كَالزَّلَفَةِ، ثُمَّ يُقَالُ لِلأَرْضِ: أَنْبِتي ثَمَرَتَكِ، وَرُدِّي بَرَكَتَكِ …)
    و(النَّغَفُ) المذكور في الحديث الشريف هو دُودٌ يُسَلِّطُه الله تعالى على رقاب يأجوج ومأجوج فيكون سببًا في هلاكهم، وهو دابةٌ من الدوابِّ التي تعيش في باطن الأرض، وتتغذَّى على ما فيها من رزق.
    وقد جاء في معاجم اللغة المختلفة ما يلي:
    والنَّغَفُ: دُودٌ يكون في بطون الأرض، يقوم بتقطيع جذور الأشجار والزروع ليتغذى عليها، ويتسلَّط على الإبل والغنم فيكون في أنوفها، وهو أيضًا دُودٌ ينسلخ عن الخَنافس، ويكون في النَّوَى.
    وهذه المدلولات والمعاني لكلمة: (النَّغَف) تتوافق مع ما جاء في قوله تعالى: (أخرجنا لهم دابة من الأرض تكلمهم)، فالدابَّة التي تتحدث عنها الآية الكريمة يُخرجها الله تعالى من باطن الأرض، ما يجعل الاحتمال قويًّا أنْ يكون نَغَفُ الأرض هو هذه الدابًة التي ستُكَلِّم وتُجَرِّح الناس في آخر الزمان بين يَدَي الساعة بظلمهم وعدوانهم، وهم يأجوج ومأجوج، مع ما تحمله من أنواع الأوبئة القاتلة.
    د. نصر فحجان – غزة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى