مجتمعمجتمع وناس

إنستغرام… “الخطر الداهم”

خدمة “نيويورك تايمز”

عندما قالت فرانسيس هوغان، مديرة المنتجات السابقة في «فيسبوك»، في جلسة استماع في مجلس الشيوخ، الأسبوع الماضي، إن الشركة «تُعنى بأرباحها الفلكية قبل عنايتها بالناس»، كانت ردود الأفعال صاخبة وساخطة. وقد رد مؤسس شركة التواصل الاجتماعي ومديرها التنفيذي مارك زوكربيرغ، على ذلك، بتعليق على «فيسبوك» يؤكد فيه: “نحن نهتم بشدة بقضايا مثل السلامة، والرفاهية، والصحة النفسية”.

لكن المبلغين عن المخالفات كانوا يستشهدون بأبحاث الشركة، التي خلصت، من بين أمور أخرى، إلى أنه بناء على استطلاعات الرأي، «قالت 32 في المائة من الفتيات المراهقات إنهن عندما يشعرن بالسوء بشأن أجسادهن، فإن (إنستغرام) جعلهن يشعرن بما هو أسوأ»، كما ذكرت صحيفة «وول ستريت جورنال». قدمت السيدة هوغان وثائق داخلية إلى الصحيفة من شركة «فيسبوك» المالكة لـ”إنستغرام”

ما الذي نتحدث عنه بالضبط هنا؟ لنفرض أن فتاة تبلغ من العمر 13 عاماً، وبدأت تشعر بالقلق تجاه مظهرها، وقد اتبعت بعض مؤثري النظام الغذائي على الإنترنت. فإن لوغاريتمات «إنستغرام» قد توحي بحسابات «تغذوية» أكثر تطرفاً بأسماء مثل «جائع إلى الأبد» و«يجب أن أكون نحيفة» و”أريد أن أكون مثالية”.»

وفي مقابلة مع برنامج «60 دقيقة»، وصفت السيدة هوغان ذلك الأمر بأنه «مأساوي». «عندما تبدأ هؤلاء الشابات باستهلاك محتوى الاضطرابات في الأكل، فإنهن يُصبن بحالة متزايدة من الاكتئاب. إنها تجعلهن يستخدمن التطبيق بشكل أكبر. وهكذا ينتهي بهم الأمر في دورة ردود الفعل والتعليقات التي تسفر عن كراهيتهن لأجسادهن أكثر فأكثر”.
هناك الكثير من الأموال على المحك هنا. فصناعة الجمال العالمية تجلب 500 مليار دولار من المبيعات السنوية، والآن تشكل وسائل الإعلام الاجتماعية قوة دافعة مهمة، خصوصاً بالنسبة لأصغر المجموعات السكانية المستهدفة، وهي «الجيل زد» (الجيل التالي على الألفية). وقُدرت السوق العالمية لإدارة الوزن والتحكم فيه بأكثر من 260 مليار دولار في عام 2020. ومن المتوقع أن تنمو إلى أكثر من 400 مليار دولار بحلول عام 2027

وفي صميم هذا التسويق تبقى الرسالة ثابتة: أنتم غارقون في العيوب والنقائص، ونحن سوف نخبركم ماذا تشترون، وماذا تفعلون، كي تصلحوا من أنفسكم.


كم هو مخيف مدى بقاء هذه الرسائل والمحتويات لديكم وفي أذهانكم. لقد غادرت فترة المراهقة منذ ما يقرب من عقدين من الزمن، ولكنني أذكر بوضوح النصائح الواردة في مجلات المراهقين التي جلبتها إلى المنزل من المكتبة وكنت أستذكرها مثل كتبي المدرسية: الكرفس يوفر «سعرات حرارية سلبية» (مهما كان ذلك يعني). إذا كنت ضعيفة أمام الحلوى، فاجعليها خالية من الدهون بقدر إمكانك. وقرأت ذات مرة أنه إن كنت لا أزال جائعة، فربما أحاول أكل الثلج. وما زلت أستطيع النظر إلى طبق من الطعام وأحدد على الفور عدد سعراته الحرارية في عقلي.

غالباً ما تأتي النصيحة حول شكل الجسد، وكيف تكون في أفضل حالاتك مغلفة بلغة التمكين الشخصي – ولم تكن خاطئة حول ما يتطلبه النجاح في مجتمع مريض بالتحيز الجنسي، وتغلب عليه حمى المظاهر. وإذا تركت المجلات للفتيات انطباعاً واضحاً بأن أجسادنا ووجوهنا هي فريسة مستمرة للتقييم، والتدقيق، والمقارنة، فإن هذا الانطباع أكدته تجاربنا اللاحقة حول العالم

لقد شارك مارك زوكربيرغ في طقوس تصنيف الفتيات أيضاً. فعندما كان يُجرب قبل إنشاء «فيسبوك»، كطالب في جامعة هارفارد، كان يضع صور زميلاته في الدراسة على موقعه الشهير «فيسماش» سيئ السمعة حالياً، حيث كان بوسع الطلاب ترتيب ومقارنة صور وجوه الطلاب بناء على مدى جاذبيتها. وكتب في ذلك الوقت يقول: «أريد وضع بعض هذه الوجوه بجوار صور حيوانات المزارع، وأن أجعل الناس يصوتون على أي وجه هو أكثر جاذبية»

ولقد تغيرت الأمور الآن بالنسبة للفتيات. إنهم يتجهن إلى الأسوأ بكثير. منصات الوسائط الاجتماعية مثل «إنستغرام» تُشعرك وكأنها منصات لوغاريتمية مجانية للجميع، وهي مليئة بصور الناس الذين غيروا مظهرهم، سواء باستخدام المرشحات الرقمية على الإنترنت أو في الحياة الحقيقية، باتباع النظام الغذائي أو بالتدخل الجراحي أو كليهما
خلاصة الأمر، يتم إلحاق صور المؤثرين والمشاهير مع صور أصدقائكم وأنفسكم. والآن أي صورة تكون عرضة للتدقيق والمقارنة والتقييم في شكل إعجابات أو تعليقات.


إلى حد ما، فإن طريقة تأثير هذه المجريات على «إنستغرام» هي مجرد امتداد طبيعي لكيفية معاملة الفتيات في ثقافتنا على أي حال. ربما قد تكون «حركة الجسم الإيجابي» قد ساعدت في ذلك، ولكن الفتيات ما زلن يستوعبن الرسالة التي مفادها أن جزءاً من نجاحهن في الحياة يعتمد على قدرتهن على الإعجاب بمظهرهن. يقيس «إنستغرام» ذلك ببراعة فائقة – بإنشاء كافتيريا افتراضية بالمدرسة الثانوية بمحتوى عالمي مثل زر «الاستكشاف»، الذي يجمع عدداً لا يحصى من الأجسام غير الحقيقية. (لا يُستثنى البالغون من ذلك – بل إنهم أكثر عرضة للتفكير في الجراحات التجميلية إذا استخدموا بصورة متكررة منصات التواصل الاجتماعي التي تعتمد على الصور مثل «إنستغرام»)

تنتقل الكثير من هذه الرسائل تحت ستار الصحة أو العافية، لكن أبحاث «فيسبوك» المسربة تشير إلى أن هذه التمثيلية لا تهدف إلى تعزيز الصحة، بقدر ما تُلحق الضرر البالغ بها. وما من فصل دراسي أو طمأنة أبوية تُضاهي قوة هذه المنصات التكنولوجية القوية، إلى جانب صناعات كاملة تعيش على افتراس مخاوف الفتيات. وغالباً ما تعرف الفتيات بأنفسهن أن «إنستغرام» ليس جيداً لهن، لكنهن يواصلن العودة إليه في تلقائية عجيبة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى