دين ودنيا

ما الفرق بين الأجداث والقبور؟

بقلم دكتور نصر فحجان – غزة

يقول الله تعالى: (ونفخ في الصور فإذا هم من الأجداث إلى ربهم ينسلون) {يس: 51}.
ما المُراد بالأجداث؟ وما الفرق بين القبور والأجداث؟

(القَبْر):
وجَمعُه القبور، وهو حُفرة أو مكان يُوارَى فيه الميت إكرامًا له، نقول: قَبَرَ الميت، أيْ واراه التراب، وأخفى جثمانه تحت التراب.
والقبر فيه معنى الخَفاء، والإخفاء، والسَّتر، والمُواراة، نقول: قَبَرَ الرجل القضية: أيْ أخفاها حتى لا يبقى لها أثر، وقبر الموضوع: سكت عنه نهائيُا حتى لا يبقى له أيّ أثر.

وليس كلُّ مَن يموت يكون قبرُه وسَترُه وإخفاؤه ومواراتُه في حفرة تحت التراب، فهناك أموات لا يُدفنون تحت التراب، وليس لهم قبور معروفة، كما في الهند وبعض البلاد الأخرى، حيث يَحرقون أمواتهم، وتتحول أجسادهم إلى دُخان ورماد.
ومن الناس مَن تأكلهم السباع والوحوش، ولا يُقبَرون في حُفَر تحت التراب، ولا يكون لهم قبر معروف، ومن الناس مَن يغرقون في البحار، وتأكلهم الأسماك والحيتان، ولا يُدفنون في قبور، ومن الناس مَن تتفجر بهم الطائرات، فتتناثر أشلاؤهم في الفضاء، ولا يُدفنون في قبور.

لكنّ كل هؤلاء الأموات هُم في حالة خَفَاء وإخفاء وسَتر ومواراة، وهو معنى القبر، يقول الله تعالى: (ثم أماته فأقبره)، أيْ واراه بعد موته وأخفاه وسَتَره، فلا يرى الناس جثته بعد موته، بل تكون في سَتر وغطاء، وهو من إكرام الله تعالى للإنسان.

(الأجداث):
الجَدَث: جاء في القاموس المحيط أنّ الجَدَث والجَدَثة مَضْغُ اللحم.
ومَضْغُ اللحم يُوحي بالتمزيق والتفتيت، وتغيير الأصل وتحويله إلى أجزاء غير متماسكة، وهو ما يحدث لأجساد الأموات بعد خروج الأرواح منها.

والآية: (ونفخ في الصور فإذا هم من الأجداث إلى ربهم ينسلون) {يس: 51}، تشير إلى حالة التحلُّل التي كان فيها الأموات، سواء كانوا في قبور أو حُفَر تم دفنهم فيها، أو كانوا في أماكن غير معروفة، فجزئيات هذه الأجساد في كل الأحوال هي في الأرض، ولم تغادر الأرض: (منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى) {طه: 55}.

فالناس يوم القيامة سيَخرجون من الأجداث سراعًا، أيْ من جزئياتهم المتحلّلة، وهذا الإخراج يكون بطريق الإنبات، يقول الله تعالى: {نوح: 17-18}، (والله أنبتكم من الأرض نباتًا * ثم يعيدكم فيها ويخرجكم إخراجًا) {نوح: 17-18}، وذلك بعد أنْ يُنزل الله من السماء ماء على الأرض، وعلى أجداث الأموات المتحلّلة، فيَنبُت الناس من أجداثهم كما يَنبُت البَقْل، وهو كما في قوله تعالى: (والذي نزل من السماء ماء بقدر فأنشرنا به بلدة ميتًا كذلك تخرجون) .

وقد بيّن النبي صلى الله عليه وسلم هذا الأمر بشكل مفصّل، وشَرَح لنا كيفية خروج الناس من أجداثهم يوم القيامة، وكيف يَجمَع الله تعالى أجسادهم المتحلّلة من جديد من خلال الإنبات، فعن أبي هريرة رضي الله عنه أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ما بين النفختين أربعون، قال: أربعون يومًا؟ قال: أبَيْت، قال: أربعون شهرًا؟ قال: أبَيْت، قال: أربعون سنة؟ قال: أبَيْت، قال: ثم يُنزل الله من السماء ماء فيَنبُتون كما يَنبُت البَقْل، ليس من الإنسان شيءٌ إلا يَبْلى، إلا عظمًا واحدًا، وهو عَجْبُ الذَّنَب، ومنه يُرَكَّب الخلقُ يوم القيامة) البخاري 4935

وقوله صلى الله عليه وسلم: أبَيْت، أيْ أنه أَبَى وامتنع عن إخبارهم، إما لكونه لم يُوْحَ إليه بذلك، أو أنّ الله تعالى لم يأذن له بالإخبار.
وجاء في حديث آخر يؤكد نفس المعنى فيما يخُصّ عملية الخروج من الأجداث يوم القيامة: عن أبي هريرة رضي الله عنه أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: (كلُّ ابنِ آدمَ يأكلُه الترابُ، إلا عَجْبَ الذَّنَبِ، منه خُلِقَ وفيه يُرَكَّبُ) مسلم 2955
والنفختان المذكورتان في الحديث الأوَّل هما:

النفخة الأولى:
وهي نفخة الصَّعْق، وفيها يُصعق كل الأحياء إلا مَن شاء الله، يقول الله تعالى: (ونفخ في الصور فصعق من في السموات ومن في الأرض إلا من شاء الله) {الزمر: 68}

النفخة الثانية:
وهي نفخة الإحياء والبعث، وفيها يَبعث الله تعالى الخلائق للحساب، يقول الله تعالى: (ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون) {الزمر: 68}
والحديث الشريف يُشير إلى أنّ الأجداث ليست هي القبور، ولا الحُفَر، ولكنها جزئيات البشر المنتشرة في الأرض، والتي منها عَجْب الذَّنَب الذي لا يُرى بالعين المجردة، وهو لا يَبْلى، ولا يتأثر بالحرق أو الغرق أو التحلُّل، وفيه جينات الإنسان، وخارطته الجينية، ومنه يَنبُت الإنسان مرة أخرى، وهو كما في قوله تعالى: (ونفخ في الصور فإذا هم من الأجداث إلى ربهم ينسلون) {يس: 51}

فالناس عند النفخة الثانية سيَخرجون إلى ربهم من أجداثهم المتناثرة في كل مكان من الأرض، في الصخور، والرمال، والبحار، والجبال، والصحارى، والقبور المعروفة، وغير المعروفة، وحيثما كان عَجْبُ الذَّنَّب يخرج الإنسان ويُبعَث، وهو ما يشير إلى عدم وجود تعارض بين نُسُولُ الأموات من الأجداث كما في قوله تعالى: (فإذا هم من الأجداث إلى ربهم ينسلون) ، وبعث الله لهم من القبور كما في قوله تعالى: (وَأَنَّ السَّاعَةَ ءَاتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي القُبُورِ) الحج: 7، فالأجداث التي تكون متناثرةً في أماكنَ مختلفةٍ من الأرض هي أعمُّ من القبور المعروفة أو غير المعروفة كما تبيَّن لنا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى