فلسطينيات

غزة ومستقبل التهدئة

كتب: عماد عفانة


يبدو أن ما يجمع الحكومات الاستعمارية والمعادية، هو النسج على ذات المنوال، وممارسة سياسة الابتزاز ولكن بأشكال مختلفة، فالولايات المتحدة قايضت دفع ما عليها من مستحقات مالية “للأونروا” بتوقيع “اتفاق الإطار” الذي يقيد حرية موظفي الأونروا وجميع المستفيدين من خدماتها في التعبير عن انتمائهم ورموزهم الوطنية.
ودول الاتحاد الأوروبي حاولت مقايضة دفع ما عليها من مستحقات مالية سنوية “للأونروا” بتعديل المناهج الفلسطينية ليتناسب والمزاج والرغبات الصهيونية.


وعلى ذات المنوال تحاول حكومة بينيت ممارسة ذات اللعبة النتنة مع غزة بمقايضة الاقتصاد مقابل الأمن، وهي خطة على مرحلتين، لا تنفذ المرحلة الثانية إلا بعد نجاح المرحلة الأولى في مراهنة على الوقت لمزيد من استنزافها وقصم ظهر اقتصادها المنهك.
سنوات الحصار الطويل حاولت حرف بوصلة المقاومة وحصر اهتماماتها في مطالب اقتصادية وحياتية، مقابل التوصل إلى تهدئة طويلة الأمد، في معزل عن بقية الملفات التي انطلقت المقاومة من أجلها أصلا، فلم نعد نسمع كثيرًا عن إعادة بناء المطار والميناء، وإنما عن عودة الأمور إلى ما كانت عليه قبل المعركة الأخيرة، رغم أنه كان واقع مزري بكل الأحوال.
هناك موانع صهيونية كثيرة تحول دون عقد تهدئة طويلة الأمد مع غزة، لكن ماذا لو لم تنجح خطة مقايضة الأمن بالاقتصاد، هل يمكن أن يتجه الكيان لشن عدوان عسكري حاسم ضد القطاع قادر على إحداث تغيير جوهري لجهة اقصاء المقاومة وعلى رأسها حركة حماس عن تبوء المشهد.


إن الاعتقاد السائد أن هذا الخيار لن يكون له كثير من الحظ في التنفيذ، لعدة أسباب:
الأصوات المؤيدة للتدخل البري في غزة تكاد تكون معدومة، في وقت يملك فيه العدو تفوق جوي فائض يعفيهم من تكبد خسائر بشرية لا يريدها أحد.
التدخل البري لإزاحة حماس قد ينهي الانقسام الفلسطيني الذي يفيد كيان العدو أكثر من إزاحتها عن مشهد الحكم.
. الحفاظ على حكم حماس في قطاع غزة، يعفي العدو من التعامل مع بديل قد يكون مجهول
بقاء سلطة محاصرة ومهددة بالعدوان كل بضعة سنوات يصب في صالح سياسة إدارة الانقسام.
هناك موانع فلسطينية أيضا تحول دون عقد هدنة طويلة الأمد مع العدو، منها ما تعرضه حكومة بينت اليمينية لا يمكن أن تصنع معه دولة فلسطينية لا في الضفة المحتلة ولا في غزة المحاصرة، بل ولا يسمح لغزة بالاستقرار الذي قد يمكنها من صناعة كيان قوي ومسلح، قد يشكل تهديدا حقيقيا متعاظما للكيان.


ومن المستبعد أن يعقد العدو تهدئة مع غزة تضمن فك الحصار، فضلا عن الامتناع عن شن عدوان عليها كل بضع سنوات، الأمر الذي يحرص عليه العدو لضمان عدم كسر التوازن في الميزان العسكري، فضلا عن ضمان استمرار انهاكها وهدم ما تمكنت من بنائه (سياسة جز العشب) لإبقائها تحت السيطرة، بما يمكنهم من التحكم في توجيه دفتها.
أن المقاومة لا تستطيع الموافقة على تهدئة مقابل تخفيف الحصار، في وقت تتصاعد فيه الهجمة الصهيونية لتهويد القدس، وتكثيف ابتلاع الضفة لصالح الاستيطان، وتصاعد إجراءات قمع الأسرى، وعمليات التهجير وهدم المنازل، والقتل بدم بارد، والاعتقالات المستمرة الخ من هذه الجرائم والانتهاكات التي لا يمكن معها للمقاومة الصمت.


ولن تستطيع المقاومة الموافقة على أن ينسحب اتفاق التهدئة على الضفة المحتلة، الساحة الأهم والأكثر تأثيرا للصراع- كما يريد العدو- في ظل ما تتعرض له الضفة من جرائم وانتهاكات
لكن قد يتساءل البعض عن التسهيلات الاقتصادية التي يقدمها العدو لغزة
هل تندرج في إطار مقايضة الأمن بالاقتصاد!
ام يندرج في إطار التمهيد لعقد تهدئة طويلة الأمد!
أم أن العدو يسعى أن يقدم لغزة ما تخشى أن تخسره في أي معركة قادمة كي لا تحرص على الدخول في معارك أخرى ما يصب في صالح الاحتمال الأول.
أم يسعى العدو لخلق وقائع تصب في إطار تنفيذ تهدئة طويلة المدى لكن توقيع أي من الأطراف عليها، وكأنها التزامات وتفاهمات ضمنية أملتها ظروف الميدان لا متطلبات السياسة!.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى