كتاب الثريامدونات الثريا

الحب حرية شخصية والاحترام واجب

كتبت : الإعلامية أنوار هنية

أن تحب هي مشاعر ذاتية تملكها وحدك، و تقرر فيها من تحب؟ وكيف تحب؟ وكيف تتعامل مع من تحب؟ وكيف تقدره؟

 لكن أن تحترم فهذا (ليس شأنك وحدك)، فهي أصول وأخلاق وتربية وآداب ودين ودنيا تعلمك كيف تتعامل مع الجميع باحترام وإن لم تكن تحبه. والاحترام يطال كافة مناحي حياتنا ابتداء من العلاقات الشخصية الفردية مرورا بالعلاقات الرسمية ووصولا للحياة السياسية.

قد يبدو لك الموضوع ليس فيه إضافة جديدة، لكن الاختلاط مع الناس سواء على صعيد العائلة أو الأقرباء و المعارف وزملاء العلم أو العمل و المحيط الخارجي من الناس يجبرك على امتلاك مهارات التعامل معهم كل حسب مكانته وقربه منك والرابط المشترك بينهم جميعا في التعامل هو الاحترام الذي يزين العلاقات ويضفي عليها طابعا مميزا لا يتقنه سوى (أبناء الأصول)، الذين يحترمون الآخرين بعيدا عن مشاعرهم الذاتية.

والإنسان اجتماعي بطبعه لا يستطيع أن يعيش وحيدا، فيحتاج للتعامل مع المحيط الذي يتواجد فيه، وتنشأ بينهم علاقات وروابط مختلفة تجمعها مسميات مختلفة من قرابة وزمالة وصداقة وأخوة وأكثرها عمقا وثباتا تلك التي تتزين بالاحترام المتبادل بين الأطراف، الاحترام الذي يقف على ذاته فقط، أو احترام يتبعه اهتمام وسؤال ومحبة ودعم ومساندة في أوقات الفرح والترح.

الكاتبة أنوار هنية

والاحترام يشمل التقدير للمعاني النبيلة كاحترام حقوق الغير، ومعرفة الواجبات وتقدير المواقف حق قدرها، والاحترام سلوك عظيم يقودك إلى الإنصاف، إنصاف الشخص الذي تتعامل معه وإن لم تحبه، فتحقق مبدأ العدالة على صعيد تعاملاتك الشخصية مع من حولك لتصبح سمة ملاصقة لك أو مطبوعة فيك، أن تنصف وتتحدث بالحق ولو كانت على نفسك، فلا تجامل ولا تداهن، لكن تجعل الاحترام رديفك فتُصبَغ به بسلاسة دون تكلُّف وتلقائيا تصبح تعاملاتك مع من حولك من شأنها أن تُخبرهم بكيفية التعامل معك كذلك.

ومنشأ هذا الاحترام يبدأ في احترام الشخص لنفسه ولذاته ولقدراته، فاحترامه لذاته، كثيرا ما ينعكس على علاقاته مع الآخرين، الشخص الذي يحترم ذاته يمتلك الرغبة الكامنة والظاهرة في إيصال هذه القيمة لمن حوله.

واحترام الآخرين لك لا يأتي جزافا فعليك التحلي بالأخلاق الحميدة التي حثنا عليها ديننا الحنيف في القرآن الكريم و السنة النبوية المطرة وأولاها الصدق، فالصدق سمة عزيزة و نبيلة من تحلى بها نال ثقة من حوله واحترامهم، وابتعد عن الكذب و النفاق مهما كان الثمن لأننا من واقع التجربة نعلم علم اليقين أن للصدق وعدم النفاق أثمان باهظة في الكثير من العلاقات خصوصا العلاقات الرأسية، لكن العلاقات الاجتماعية تتطلب الكثير من الدبلوماسية و الذكاء الاجتماعي الذي يتزين بثوب الاحترام المتبادل بين الجميع.   

وفي علاقاتك مع الآخرين حاول أن تكون منطقيا و موضوعيا فلا تبنيها على الهوى والمزاج والنفس والأنا، اجتهد أن تعتمد علاقات على الاحترام والانصاف ومعرفة الغير بتعاملك الشخصي معه،  وليس بما تسمعه أذنك من الآخرين، واجعل للقريب و البعيد  ذات المسافة من الاحترام التي لا تتعارض مع الحب. وأولى علاقات الاحترام تبدأ مع الوالدين الذين يجنون ثمرة غرسهم مع أبنائهم من ترسيخ هذا المعنى من عدمه،  كذلك الأخوة و العائلة ثم يتسع المحيط للأصدقاء والزملاء والمعارف و المجموعة الروابط المختلفة التي تجمع الفرد بدوائر مهنية أو علمية مختلفة.

و الاحترام يتطلب احترام الشخص و احترام أفكاره و مشاعره و حزنه و فرحه و نجاحه، و كل مكوناته التي ترسم صورته النهائية ، كذلك احترام عاداته و تقاليده و رغباته و احتياجاته خصوصا من الدائرة القريبة جدا منه واحترام وجود و تقدير صنائعه و أفعاله و تصرفاته الإيجابية و احترام محبة الناس له.

والاحترام يعزز التماسك المجتمعي من خلال احترام اختلاف العادات و التقاليد خصوصا في مجتمع تجتمع فيه اللهجات المختلفة (بعد هجرة عام 1948 التي هاجر فيها الفلسطينيون من مدنهم وقراهم إلى قطاع غزة بفعل الاحتلال الصهيوني ، فاجتمعت اللهجة الغزاوية مع المجدلاوية واليافاوية والديراوية والبدرساوية والحمامية وبئرالسبع واللهوانية غيرها)، وكل مدينة أو قرية لها مجموعة من العادات و التقاليد في مناسباتها و أفراحها و أتراحها يجمعهم حب الوطن، ورصاصة ودماء تسيل مجتمعة للدفاع عن ثراه في المكره والحروب.

الاحترام الذي رافق هذا الاختلاف أوثق عرى المجتمع فبدت كلوحة فنية جميلة بأثوابها الأصيلة وألونها الزاهية وعاداتها المتباينة التي اتسقت مع بعضها البعض مكونة نسيج مجتمعي لا يمكن فصل مكوناته عن بعضها.

وينعكس مفهوم الاحترام على الحياة السياسية للمجتمع الفلسطيني خصوصا في بيئة سياسية خصبة في التنوع من الفكر الإسلامي للديمقراطي لليساري وفي ظل وجود العديد من الفصائل الفلسطينية، والمجتمع القائم على الاحترام مع وجود الاختلاف في الرأي والفكر يجعلها مجتمعات صحية وسوية قادرة على إيجاد أرضية صلبة يمكن الوقوف عليها وإيجاد ما يمكن الاجماع عليه لصالح القضية الفلسطينية دونما المساس بالثوابت الفلسطينية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى