مجتمع وناس

سيداو بين الحقيقة والادعاء


بقلم : نهال صلاح الجعيدي
أكثر ما يقع فيه المثقفين وأصحاب الرأي هو إطلاق الأحكام على علاتها ، ونقل تجارب الآخرين بحذافيرها، دون النظر لخصوصية كل مجتمع، و دراسة لأسباب المشكلة الخاصة بهذا المجتمع ووضع الحلول والقوانين التي تلائم معتقداته وموروثاته الحضارية والثقافية، وهذا ما وقع به المطالبين بحقوق المرأة، حيث أخذوا مطالبات المرأة الغربية بحقوقها ، وسعيها لنيلها ، ونجاحها في سن القوانين والتشريعات والاتفاقيات لنيل حقوقها ، وأسقطوها على مجتمعنا العربي والإسلامي دون النظر لخصوصيتنا وما يتعارض مع ديننا الحنيف، حيث لم يكلفوا أنفسهم في البحث بجدية في الحقوق التي منحها الإسلام للمرأة، نظروا إلى القشور، والظاهر ، دون التبحر في عمق ومدلول هذا التشريع و مقاصده.


ووجدنا أنفسنا نحن من كرمنا المرأة ، وأقمنا الحروب نصرة لحق إمرأة ظلمت منساقين نحو أجندات واتفاقيات لم تراعي معتقداتنا ولا ديننا ولا حتى فطرة الإنسان السليمة ، وأصبحنا ملزمين بالتوقيع على اتفاقيات لا تلئمنا مقابل وقوف المجتمع الدولي معنا للحصول على حقوقنا السياسية، فقامت السلطة الفلسطينية بالتوقيع على اتفاقية سيداو دون تحفظات أو تصريحات، وهي الدولة الوحيدة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا التي قامت بذلك.


إن وثيقة سيداو أو ما تعرف باتفاقية القضاء على كافة أشكال التمييز ضد المرأة جاءت كمن يدس السم في العسل، أو ككلمة حق أرادوا بها الباطل، فالوثيقة تعتمد على المصطلحات العاطفية الفضفاضة كالمساواة ، والتمييز ، و الحقوق ، ففي ظاهرها هي تسعى للقضاء على أي تفرقة أو استبعاد يتم على أساس الجنس، ويكون من آثاره هضم حقوق المرأة ، و تكريس مبدأ المساواة بين الجنسين ، وفرض القوانين واتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة لذلك ، و العمل على إلغاء العادات والتقاليد والأعراف والعقوبات والأحكام التي يكون فيها تمييز ضد المرأة، وضمان تطور المرأة وتقدمها في مختلف الميادين الاجتماعية والاقتصادية والرياضية والسياسية ، و اتخاذ الدول الموقعة الإجراءات اللازمة لحمايتها وعدم استغلالها للإتجار بها والدعارة .


وفي الباطن فإن الاتفاقية في المادة الثانية والتي تنص على المساواة الكاملة بين الرجل والمرأة ، تتعارض مع الدستور الفلسطيني الذي جاء في مادته السادسة أن الإسلام هو الدين الرسمي للدولة ، فكانت مخالفة للشريعة الإسلامية التي ساوت بين الرجال والنساء من حيث الخلقة، فكل منهم دمه وماله وكرامته محفوظة بموجب أحكام الإسلام ، إلا أن لكل منهم دوره الذي يتناسب مع طبيعته وبنيانه.
ولعل التقرير المشترك بين “هيومن رايتس ووتش”، و “مركز المرأة للإرشاد القانوني والاجتماعي”، و”المساواة الآن” إلى لجنة “اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة (سيداو)” حول دولة فلسطين، الدورة السبعون لعام 2018م ، جاء ليفسر ما حاولت الاتفاقية تمييعه ، ويوضح المسكوت عنه ، فكانت التوصيات كالتالي:
نشر نص اتفاقية سيداو في الجريدة الرسمية، مما يجعلها مُلزمة كقانون محلي ، ايذانا بموائمة القانون الفلسطيني بما يناسبها فتشطب المادة السادسة من الدستور.
التصديق على البروتوكول الاختياري لاتفاقية سيداو كأداة للمساءلة بموجب القانون الدولي لحقوق الإنسان، و السماح لها بإجراء مُراجعة استثنائية بعد عامين بدلا من المُراجعة الدورية المعتادة كل 4 سنوات، للسماح بمُراقبة صياغة وسن قانون حماية الأسرة ، وبذلك تكون لجنة سيداو هي المشرع لنا بدل القرآن الكريم والسنة النبوية ، ولها الحق في محاسبتنا، فأين سيداو من محاسبة الاحتلال لانتهاكه كل حقوق المرأة الفلسطينية ، والتعدي على حقها في الحياة وحرمانها من العلاج والتعليم والحركة وغيرها .


تعديل قوانين الأحوال الشخصية الإسلامية والمسيحية لضمان تمتع المرأة بحقوق مُتساوية مع الرجل فيما يتعلق بالزواج، والطلاق، والحضانة، والوصاية على الأطفال والميراث ، أليس هذا تعدي سافر على الأديان؟.
رفع الحد الأدنى لسن الزواج إلى 18 سنة، وهذا ما بدأت السلطة الفلسطينية في تطبيقه وتعميمه على المحاكم ، وقد كان مطبقا على أرض الواقع في معظم مناطق فلسطين، ولا يؤثر بشكل عام لأن الناس رفعت السن تلقائيا وبات التزويج حتى في سن الجامعة فيه تبكير، ولكن السؤال يبقى للمشرع اذا كان الهدف من القرار الحماية واعطاء المجال للمرأة للاختيار أليس من الأولى أن يضاف تشريعات تقتضي تجريم كل ما هو دون الزواج من علاقات سواء كانت عاطفية أو جسدية مع هذا السن واعتبار ذلك جناية يعاقب عليها القانون .


السماح للنساء بالولادة في المستشفى، وتسجيل أطفالهن من دون شرط تقديم عقد الزواج، والسماح لهن بتسجيل أطفالهن باسم أسرة من اختيارهن، وضمان عدم تعرض الأطفال للتمييز بسبب الحالة الزوجية للوالدين ، إن هذا التشريع يفتح الباب واسعا للتلاعب واختلاط الأنساب ، ويخلق مشاكل لا حصر لها سواء على الصعيد الشرعي أو الاجتماعي.
تعديل قانون العقوبات لسنة 1960 الساري في الضفة الغربية وقانون العقوبات لسنة 1936 الساري في غزة، لإلغاء تجريم الإجهاض وضمان الحصول الآمن والقانوني على حق الإجهاض، إن تطبيق ذلك يجعلنا أمام انحطاط أخلاقي وقيمي من حيث انتشار للعلاقات خارج إطار الزواج.
إلغاء الحكم الوارد في المادة 62 الذي يسمح للآباء “بتأديب” أطفالهم حسب العرف العام ، وبذلك
إلغاء الحكم الوارد في المادة 286 الذي يمنح فقط أفراد الأسرة الذكور الحق في رفع دعوى سفاح القربى نيابة عن القاصرين .


إلغاء المادة 284 التي تحظر الزنا (العلاقات الجنسية خارج إطار الزواج)، وهذا هدفه إشاعة الفاحشة في المجتمع المسلم، مما يمهد لانهياره الأخلاقي والقيمي.
تحديد الاغتصاب الزوجي والعنف الجنسي وفرض عقوبات عليه؛ وتمويل لإنفاذه ، والذي من شأنه نزع السكينة و الرحمة في العلاقة الزوجية.
إلغاء المادة 152 (2) من قانون العقوبات الجنائي البريطاني رقم (74) لسنة 1936 التي تجرّم “العلاقات الجنسية المخالفة للطبيعة” ، وبذلك يتم السماح للمثليات والشواذ ،ومزدوجات الميول (السحاقيات ) في الإعلان عن علاقاتهم المنافية للفطرة السليمة .


وفي الختام إن التوقيع على سيداو سيجلب على المجتمع ويلات نحن في غنى عنها ، وحقوق المرأة لا يلزمها تشريع جديد، فقد منح الإسلام المرأة الكثير من الحقوق، وإن ما نحتاجه هو توعية المجتمع بحقوقها، فكما قلت سابقا الخلل ليس في المنهج ولا في التشريع الإسلامي وإنما في التطبيق، وهذا ما يحتاج لوضع قوانين تضمن تطبيق حقوق المرأة وتعاقب كل من يتجاوز هذه الحقوق بعقوبات رادعة، مما يضفي بُعد إصلاحي على المجتمع، ويعزز صموده ، ويحد من مشكلاته الاجتماعية ويزيد أواصر المحبة بداخله.
¬¬¬¬¬¬¬¬¬¬¬¬¬¬¬¬¬¬¬¬¬

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى