دين ودنيا

لا يَصْلُحُ هَذَا لِمِثْلِك

بقلم: د. وائل محيي الدين الزرد داعية إسلامي


المُقدَّمُون في الناس صنفان: صنفٌ قدمه الله تعالى، وآخر سعى هو لتقديم نفسه، وكلاهما مُقدمان بلا شك، غير أنَّ الأول قُدم بلا حول منه ولا قوة؛ فبعض هؤلاء وجد نفسه مقدمًا وهو في المهد وهناك قال: {إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا (30) وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا (31) وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا}.


وبعضٌ آخر وجد نفسه مقدمًا في فترة الصِّبا مثل نبي الله يحيى عليه السلام {يَايَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا} وبعضهم آتاه الله الرشد أثناء فتوته وبداية شبابه {وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ}.


وصحيحٌ أن هذا كله كان باصطفاء الله واختياره، غير أن الذي يعنينا هنا أن هؤلاء الكرام بعد أن وجدوا أنفسهم مقدمين في الناس ما كان لهم أن يتأخروا عن قيادة المجتمع وتوجيه دفته نحو الخير والصلاح، مكتفين بصلاحهم منزويين على أنفسهم.


وأنا أوقن تمامًا أن المرء يمكن أن يمر في حياته بأكثر من موقف، فتارةً يكون إنسانًا عاديًّا لا له ولا عليه، قد لزم سجادة صلاة وأمسك بمسبحة ذكره وانشغل بكتاب ربه، ولكن هذه الفترة هي فترة إعداد نفسي شخصي لا تصلح ابدًا لقيادة المجتمع وتحريك الناس للخير، ولا للقيام بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهذه الفترة مع أهميتها غير أنها ليست هي التي تصنع الرجال ولا تؤسس الدول ولا على أصحابه المُعول في شيء؛ سوى صلاح ذواتهم.


غير أنَّ نفرًا من هؤلاء قد يُبتلوا بإمامة الناس والتقدم على الآخرين، فهل يصلح منهم أن يبقوا على ما هم عليه من: انزواء واكتفاء وتقوقع وابتعاد عن القيام بواجب المرحلة ؟؟؟


نعم أقول وبكل حسرة: رأيت بعض الإخوة ممن أراد لهم إخوانُهم التقدم للقيادة والإرشاد، غير أنهم للأسف ظلوا في أماكنهم ما برحوها، وبقوا في جدولهم هو هُو ما غيروه، وبعضهم يظن أن هذا هو المطلوب، فكأن التأسي بهم لا يكون إلا بالصمت والسكوت، والزهد والورع، لا لن يكون اقتداء الناس بالقائد في زهده وورعه أثناء جلوسه في بيته واتكاءه على سجادة صلاته، وإنما التأسي بالقائد يكون حين يخرج من محراب صلاته وصومعة اعتكافه ليخالط الناس، فيأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ويصبر على أذى الناس، ويشارك في عملية التربية والبناء والتوجيه والإعداد، في الليل والنهار حسبما ييسر الله له من وقت، ليقوم بواجب الوقت الذي وُضِع فيه الآن

وفي التاريخ خير شاهد لأشخاص كانوا يعيشون بلا مسؤولية كبرى، غير أنهم ما أن تقلدوا زمام الأمور وأصبحوا أصحاب كلمة وقرار حتى قاموا بواجب المسؤولية، وما عاد الانزواء والانكفاء على النفس يصلح لهم، بل تقدموا يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، ويقودون من أصبحوا تحت أيديهم بالخير والمعروف، يظهرون أعمالًا كانوا بالأمس يخفونها والله حسيبُهم وأجرهم على الله.


وهذا صدِّيقُ الأمة أبو بكر -رضي الله عنه- كان المعروف عنه أنه رجلًا أسيفًا، رقيقَ القلب سريعَ الدمع لا يكاد من يصلي وراءه أن يفهم ما يتلوا من قرآنٍ لشدة وجده وخوفه من الوقوف بين يدي الله في الصلاة … هذا كان حالُه -رضي الله عنه- ولكن يوم أن أصبح خليفةً للمسلمين وأميرًا للمؤمنين اتخذت قرارات مصيرية، ربما خالفه -في البداية- كثير من المسلمين منهم عمر بن الخطاب فاروق هذه الأمة.!

وانظر على عجلٍ هذين الموقفين لأبي بكر بعد أن أصبح خليفة للأمة:


1- روى البخاري 1399 قال: “لَمَّا تُوُفِّيَ رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ وكانَ أبو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عنْه، وكَفَرَ مَن كَفَرَ مِنَ العَرَبِ، فَقالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عنْه: كيفَ تُقَاتِلُ النَّاسَ؟ وقدْ قالَ رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: أُمِرْتُ أنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حتَّى يقولوا: لا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، فمَن قالَهَا فقَدْ عَصَمَ مِنِّي مَالَهُ ونَفْسَههُ إلَّا بحَقِّهِ، وحِسَابُهُ علَى اللَّهِ فَقالَ: واللَّهِ لَأُقَاتِلَنَّ مَن فَرَّقَ بيْنَ الصَّلَاةِ والزَّكَاةِ، فإنَّ الزَّكَاةَ حَقُّ المَالِ، واللَّهِ لو مَنَعُونِي عَنَاقًا كَانُوا يُؤَدُّونَهَا إلى رَسولِ اللَّهِ صَلَّىى اللهُ عليه وسلَّمَ لَقَاتَلْتُهُمْ علَى مَنْعِهَا…”


2- وفي كتاب البداية والنهاية لابن كثير: “وَالْمَقْصُودُ أَنَّهُ لَمَّا وَقَعَتْ هَذِهِ الْأُمُورُ -الرِّدَّةُ- أَشَارَ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ عَلَى الصِّدِّيقِ أَنْ لَا يُنْفِذَ جَيْشَ أُسَامَةَ لِاحْتِيَاجِهِ إليه فيمَا هوَ أهَم، وَكَانَ مِنْ جُمْلَةِ مَنْ أَشَارَ بِذَلِكَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، فَامْتَنَعَ الصِّدِّيقُ مِنْ ذَلِكَ، وَأَبَى أَشَدَّ الْإِبَاءِ، إِلَّا أَنْ يُنْفِذَ جَيْشَ أُسَامَةَ، وَقَالَ: وَاللَّهِ لَا أَحُلُّ عُقْدَةً عَقَدَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَلَوْ أَنَّ الطَّيْرَ تَخَطَفُنَا، وَالسِّبَاعَ مِنْ حَوْلِ الْمَدِينَةِ وَلَوْ أَنَّ الْكِلَابَ جَرَّتْ بِأَرْجُلِ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ لَأُجَهِّزَنَّ جَيْشَ أُسَامَةَ”


وختامًا:
يا من قدَّمك الله لقيادة أمرٍ يخص الأمة، قم بواجب التقديم وإياك أن تدلف إلى صومعتك أو تبقى في خلوتك، فما عادت الصومعة الآن لك، وما عادت الخلوةُ تنفعك، وإني لك ناصح.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى