مجتمع وناس

كذب الأطفال في الصغر، يهدد أمن المجتمع في الكبر

بقلم: الكاتبة أنوار هنية

لماذا يلجأ الطفل إلى الكذب؟ تساؤل يستحق الاهتمام والبحث عن إجابة كافية ووافية، فالكذب صفة مسيئة لصاحبها إذا كان بالغ وراشد، فكيف إذا أصبحت سمة لصيقة بطفل لا يعرف من الحياة سوى لعبة خشبية أو فسحة ينتظرها بفارغ الصبر مع والديه، فالكذب ينزع من الطفل الثقة ويجعله دائما محط للشك والريبة، وتصبح كلماته وتصرفاته بحاجة للتحقق في كثير من الأحيان فكيف إذا كبرت هذه الصفة مع الطفل فقد تكبر معها العديد من الصفات السيئة التي تجعله شخصا غير مريح لمن حوله ومصدر قلق وإزعاج بالنسبة لهم.

أبناؤنا أمانة كبيرة في أعناقنا بسماتهم الشخصية والنفسية وصحتهم الجسدية، فالطفل كل متكامل من الجسد والروح و العقل والتركيبة النفسية والفكرية والعقدية.

 والاهتمام بجسد الطفل من حيث الطعام والملبس وغيره هي أدنى مستويات الاهتمام، حيث يجب الاهتمام بالتغذية العقلية والروحية والنفسية والصحية للطفل التي تجعل منه طفلا سويا ومتزنا بالتوازي مع كل مكوناته، وأسوأ الأمهات والآباء هم الذين يعتقدون أن مسئوليتهم مع أطفالهم تقتصر على إطعامهم وتلبية احتياجاتهم الجسدية والبيولوجية، فالأمومة والأبوة مهمة عميقة ومركزة وليس بالهين أن تحقق التوازن لكل متطلبات طفلك العقلية والروحية والجسدية لتصنع منه طفلا سويا قادرا على مواجهة الحياة بشتى متطلباتها و مطباتها و ينطبق ذلك على جميع الأبناء ومحاولة تحقيق التوازن بينهم.

وتربية الأبناء على القيم السليمة التي نستمدها من ديننا وإسلامنا الوسطي والذي يحمل بين جنباته القيم المختلفة التي تُعنى بتربية الفرد جسدا وروحا هي أهم ما يمكن أن يفعله الآباء لأبنائهم والصدق أولى هذه القيم التي تجعله طفلا سويا تعزز فيه الثقة بالنفس والقوة وجمال الكلام والروح، فيجب غرس هذه السمة في الأطفال منذ نعومة أظافرهم وعدم تعويدهم على الكذب، والتلوين، فالصدق سمة الأنبياء.

والكذب سمة من سمات المنافقين كما قال سيدنا محمد صلى الله عله وسلم:” آية المنافق ثلاث، إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف وإذا اؤتمن خان”، فالكذب سمة تقود إلى النفاق ومن اتسم بها كان من المنافقين.

وأولى سمات الرجولة هي الصدق،  والرجولة سمة عليا لا يتصف بها كل من كان ذكرا، فهي تحمل سمات القوة و الصدق والشهامة والمروءة وتحمل المسئولية ولا تجتمع في شخص إلا كان رجلا بما تحمله الكلمة من معنى.

والفتاة التي تتجمل بالصدق هي أكثرهن ثقة وقوة وجمالا في الروح والأخلاق وأكثرهن راحة في التعامل والمعاملات الشخصية والإنسانية والمهنية وغالبا ما تصبح في المواقع القيادية العليا.

لكن لماذا يلجأ الطفل إلى الكذب وهو الذي لم تلوثه الحياة بعد، ولم تضع بصمتها على عقله وروحه؟! هناك فرق بين الكذب الخيالي الذي يلجأ إليه الأطفال فيختلقون القصص الوهمية حيث يكون عقل الطفل خصباً بالأحداث والقصص الخيالية، وربما الأصدقاء الخياليين كذلك وغالبا ًعندما يقوم الأطفال بخلق قصص خيالية أو بالمبالغة في تفاصيل شيء ما، فإنهم على الأغلب يعبرون عما يتمنون حدوثه. وهو شيء لا يمكن تأديب الأطفال عليه وإنما يتم التدخل التدريجي والإرشادي واستدراجهم لمربع الواقع من خلال ذكر التفاصيل اليومية ومراجعتها مع الطفل وسؤالهم ماذا أكلنا وماذا لعبنا خلال اليوم وماذا يمكننا أن نفعل وإشراكهم بالتفاصيل اليومية الواقعية وغالبا ما يكون دون سن السادسة.

وأما الكذب لما فوق السادس من العمر فهو الكذب الذي يحتاج لتدخل تأديبي من قبل الوالدين ومعرفة الأسباب التي أدت إلى الكذب ومحاولة معالجتها بطرق ووسائل متنوعة تهدف إلى تهذيب الطفل وإقلاعه عن الكذب.

ومن الأسباب التي تؤدي إلى الكذب عند الأطفال التبرير كمحاولة للهروب من موقف معين، كالهروب من العقاب في حال تخريب أو تلف بعض حاجيات البيت أو حاجياته الشخصية وهذا يقودنا للحديث عن استخدام العنف اللفظي او الجسدي من قبل الوالدين لأبنائهم في حالة وقوعهم في أي خطأ يجعلهم يستخدمون الكذب في محلولة للهروب من الموقف وهذه يستدعي عدم استخدام الأبيون للقسوة مع أبنائهم و إشعارهم بالأمان و الثقة بأنفسهم.

وقد يلجأ الطفل إلى الكذب للتعويض عن نقص ما لدى الطفل فهذا يدفعنا لضرورة تربية الأبناء على مفهوم الرضا والقناعة مهما كان هناك عوامل نقص في حياة الطفل فالرضا والقناعة تقوده إلى الشعور بكمال الحياة وتعزز لديه الثقة بنفسه وبحياته فلا يحتاج إلى الكذب لتعوض النقص الذي يعيشه، وهي أسس تربوية تحتاج إلى فطنة ودراية من الأهل في التعامل مع أبنائهم.

ومن دوافع الكذب لدى الأطفال نتيجة تقليد الوالدين أو الكبار ممن حولهم في بعض الحالات وهذا يستدعي استحضار التربية بالقدوة وهي أكثر أنواع التربية أثراً، التربية بالقدوة والنموذج حيث أن الطفل يكون لاقطا لكل تصرفات والديه السيء منها والحسن، فعليهما الانتباه لكل تصرفاتهما أمام أبناءهم، فلا يمكن أن تنهى عن منكر وتأتي بمثله، فلا يمكنك أن تكذب أمام طفلك وتقول له لا تكذب حيث يفقد الثقة بإرشاداتك ونصائحك.

    ومن مسببات الكذب لدى الأطفال التفرقة في المعاملة بين الأبناء مما يثير الكراهية والغيرة بينهم فيلجأ الطفل إلى إلصاق بعض التهم لأخوته ويسمى الكذب الانتقامي، ولا شك أن فقدان الطفل للأمان نتيجة المشاكل المستمرة بين الوالدين تسبب في كذب الأطفال والعديد من المشاكل النفسية التي تلقي بظلالها على شخصيتهم.

وحتى تنشئ طفلا سويا قادرا على أن يترك بصمة في مكانه أينما وجد، ويصنع فارقا أينما كان، يجب أن يكون صادقا مهما كانت النتائج، فالصدق يجعله قويا واثقا من نفسه لا يخاف شيئا يتعامل مع المواقف بجرأة ومنطق وحكمة فتصنع منه شخصية قيادية.

 ولأن الكذب حباله قصيرة ويجعل الشخص متوترا خشية اكتشاف كذبه، ضعيفا وغير متماسكا ولا يقوى على المواجهة، وغير متوازن نفسيا.

وتذكر أن غرس القيم العقدية السليمة في حياة أبنائنا وسيلة لحمايتهم من الفساد وتعريفهم بأمور دينهم والتفريق بين الحلال والحرام ومعرفة فضل الصدق وعقوبة الكذب تجعله يميز بين الغث والسمين.

ولا شك أن ما ينشأ عليه الطفل ويؤسَّس عليه يكبر في شبابه وشيبه، والشباب هم عماد الأمة وركيزتها الأساسية فمن تمكن الصدق من لسانه وقلبه كان له نصيب من القيادة والنجاح فيكون معول بناء في مجتمعه وركن شديد لا يهاب في الحق لومة لائم و قادر على حفظ حقوق العباد والبلاد، ومن امتثل للكذب وشبَّ عليه كان معول هدم لمجتمعه يضر و لا ينفع و يترك أثرا سلبيا كبيرا على نفسه ومن حوله ومجتمعه. 

عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: عَلَيْكُمْ بِالصِّدْقِ، فَإِنَّ الصِّدْقَ يَهْدِي إِلَى الْبِرِّ، وإِنَّ الْبِرَّ يَهْدِي إِلَى الْجَنَّةِ، ومَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَصْدُقُ ويَتَحَرَّى الصِّدْقَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ صِدِّيقًا، وإِيَّاكُمْ والْكَذِبَ، فَإِنَّ الْكَذِبَ يَهْدِي إِلَى الْفُجُورِ، وإِنَّ الْفُجُورَ يَهْدِي إِلَى النَّارِ، ومَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَكْذِبُ ويَتَحَرَّى الْكَذِبَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ كَذَّابًا. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى