الدين والحياةدين ودنيا

لا حاجةَ لنا بالمتفائلين

كتب : الداعية الإسلامي د. وائل الزرد

        هكذا ينادي بعضُهم بكل جرأةٍ بأننا في زمن الواقعية وما عدنا بحاجة لحديث المتفائلين ولا لكلمات المستبشرين، فنحن في دنيا الأرقام ووقت المعادلات الرياضية، ف 1+1=2 ولا نريد كلامًا يدغدغ عواطفنَا ويهدهد مشاعرَنا؛ هكذا يزعمون وهكذا يطالبون!

        وقبل البدء أقول لهؤلاء المنادِين: صدقوني لقد كذبتم؛ فأنتم أول من يستبشر بكلام المتفائلين وأنتم أول من ينتظر حديث المُستبشرين، والله لو نزل بأحدكم مرضٌ وحلت بأحدكم مصيبة لانتظرتم على أحر من الجمر من يقول لكم -عاطفيًّا- لا بأس عليكم، شدةٌ وتزول إن شاء الله، ومن هذا الكلام -العاطفي- الذي لا يخضع لمعادلات رياضية ولا يعترف بلغة الأرقام ولكنكم تحتاجونه بل وتطلبونه ولو قيل لكم عكسَه لتبرَّمتم ولضِقتم ولشَكوتم..

        إن مخاطبة العاطفة لا تقل أهمية عن مخاطبة العقل، وإن الحديث عن أمل قادم وغدٍ مشرق لهو في النفس وقع يوازي رؤية السلاح المتطور والجيوش الممتدة، ولولا هذا لما امتلأ القرآن والسنة بآيات وأحاديث تشحن العواطفَ وتفتحُ أبوابَ الأملِ وتعدُ النفوسَ بالبشريات؛ فكيف يقول هذا أو ذاك لسنا بحاجة للمتفائلين ولا لكلامهم.

        وتزداد حاجتنا -جميعًا- لكلام المتفائلين خاصة في زمن الفتن والملاحم، ففي الوقت الذي تكثر فيه أسبابُ اليأس والإحباط لن نكون بحاجة لمن يحدثنا عن جراحنا وآلامنا وتعاستنا، بل نحن بحاجة لمن يأخذ بقلوبنا فيستنهض همتنا ويقوي عزيمتنا ويعلي أرادتنا، فيقول لنا مثلًا: “كَلَّا وَاللَّهِ مَا يُخْزِيكَ اللَّهُ أَبَدًا” ويقول مثلًا: “إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ الْجَنَّةِ دُونَ أُحُدٍ” ويقول مثلًا: “اللهُ أَكْبَرُ أُعْطِيتُ مَفَاتِيحَ الشَّامِ، أُعْطِيتُ مَفَاتِيحَ فَارِسَ، أُعْطِيتُ مَفَاتِيحَ الْيَمَنِ.”

        لقد خاطب النبي صلى الله عليه وسلم المسلمين وهم ضعافٌ في مكة، قائلًا لهم: “وَاللهِ لَيُتِمَّنَّ اللهُ هَذَا الْأَمْرَ حَتَّى يَسِيرَ الرَّاكِبُ مِنَ الْمَدِينَةِ إِلَى حَضْرَمَوْتَ لَا يَخَافُ إِلَّا اللهَ وَالذِّئْبَ عَلَى غَنَمِهِ، وَلَكِنَّكُمْ تَسْتَعْجِلُونَ” وقال لعَدِيٍّ بنِ حاتمٍ لمَّا رأى العربَ قد رَمتِ المسلمينَ عن قوسٍ واحدة ولاحظ ما بالمسلمين من ضعف قال له: “وَلَيَفْتَحَنَّ كُنُوزَ كِسْرَى بْنِ هُرْمُزَ” قَالَ: قُلْتُ: كِسْرَى بْنُ هُرْمُزَ؟ قَالَ: “نَعَمْ، كِسْرَى بْنُ هُرْمُزَ، وَلَيُبْذَلَنَّ الْمَالُ حَتَّى لَا يَقْبَلَهُ أَحَدٌ.”

إنه منهجٌ نبوي كريمٌ أن ينطلق الدعاة ليفتحوا للناس أبوابَ الأمل، ويذكروا الناس بحتمية الانتصار، ويبشروهم بالنصر القريب، ليذهبوا من قواميس الحياة: اليأس، والإحباط، والقنوط. فَنَحنُ لَسْنَا مُتَواكِلينَ بَلْ عَلَى اللهِ مُتوكلِينَ، وَلسْنَا مِمِّن يحلُمُ وهُو خَامِلٌ كَسُول، بَل لَنَا أَحلَامُ يَقَظِةٍ نَحْنُ لَهَا عَامِلُون.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى