غير مصنف

قلة الفهم واتباع الهوى

كتب : د. وائل الزرد داعية إسلامي

نظرتُ في حالِ بعض الشباب فرأيت عجبًا، رأيتُ منهم نشاطًا في بعض العبادات غير عادي، إقبالًا ورغبةً واستجابةً دون تردد، ونهوضًا بالأعباء وقيامًا بالتكليفات -الشاقة- دون تباطئٍ، بل إنهم لا يعرفون قول: “لا” بل هم على الدوام في مثل هذه العبادات يقولون: نعم، وجاهزون، وعلى الندهة، وفي أي وقت من ليل أو نهار!!!

والذي يدعوني إلى العجب أن نفس هؤلاء الشباب تجدهم:

يتباطؤون حين يكون الطلب من أهلهم ولبيوتهم، يتلكؤون حين يتعلق الأمر بدراستهم ومستقبلهم، يتذمرون حين يؤمرون بمراجعة القرآن أو الاهتمام بالدراسة، يترددون حين يُطلب منهم القيام ببعض الأمور المتعلقة بشؤون البيت والأسرة، وهذا هو الذي يدعونني إلى العجب والاستغراب في وقت واحد!

وأخذتُ أتسائل:

مَا الَّذِي يجعل الشباب مندفعًا نحو المشاركة في بعض الأعمال الشاقة المتعبة ويعرض عن الاستجابة لأهله في القيام ببعض شؤون البيت؟ مَا الَّذِي يجعل الشباب يقبلون على المشاركة في دورات عسكرية متعبة مع أنهم بالكاد يقومون بواجباتهم المدرسية؟ مَا الَّذِي يجعلهم يحتملون رحلة في تمرينات رياضية متعبة ولكنهم لا يقوون على الجلوس على طاولة القراءة لدقائق؟ مَا الَّذِي يجعلهم يستيقظون مبكرين بنشاط حين يكون عليهم نشاط “شبابي” ولكنهم يحتاجون لحرب طاحنة لإدراك صلاة الفجر في المسجد يوميًّا؟ مَا الَّذِي يجعلهم مؤدبين خارج البيت ولكنهم في البيوت تجدهم: مشاغبين مُتعبين؟

وأَرَى -وَاللهُ أَعلَمُ- أنَّ الأمرَ يعودُ إلَى أسبَابٍ وفِي مُقدمَتِها:


1- قِلَّةُ الفَهْم: يؤتى هؤلاء الشباب من قلة فهم، فلو أنهم أعملوا عقولَهم لأدركوا أن الأمر يحتاج إلى موازنة وإعطاء كل ذي حق حقه، لو أعملوا عقولَهم لأدركوا أن ذا الوجهين في النار، لو أعملوا عقولَهم لأيقنوا أن النشاط والقيام بالواجب لا يؤمن بالانتقائية، لو أعملوا عقولَهم لاشتغلوا وفق فقه الأولويات والموازنات، لكن مشكلتهم الأكبر اختلاط المفاهيم وتداخل الأفكار، والاعتقادات المزيفة والقناعات الملفقة، يجيء رجلٌ للنبي -صلى الله عليه وسلم- يَسْتَأْذِنُهُ في الجِهَادِ فَقالَ: “أَحَيٌّ وَالِدَاكَ؟” قالَ: نَعَمْ، قالَ: “فَفِيهِما فَجَاهِدْ” رواه البخاري 3004، وجَاءَ رجلٌ -آخرُ- إلى رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليْهِ وسلَّمَ فقال جِئتُ أُبَايِعُك علَى الهِجرةِ وتركتُ أبويَّ يبكِيانِ فقال: “ارْجِعْ إِلَيْهِمَا فَأضْحِكْهُمَا كَمَا أَبْكَيْتَهُمَا” رواه أبو داود 2528.

هذا هو الفهم الدقيق لشريعة الإسلام، واليقين العميق لمتطلبات الإيمان.فالمسألة غير خاضعة لنزوات عاطفية ولا لرغبات شخصية وإنما ما يتطلبه واجب الوقت وفرض المرحلة، بعيدًا عن رغبة عابرة أو نزوة طائشة، ولا تتأتى هذه الموازنة بين المطلوبات وهذه الاستجابة لآكد الفرائض المتحتمات إلا لمن رُزق فهمًا عميقًا، مينيًّا على علم راسخ وقراءة واعية.

2- اتِّبَاعُ الهَوَى: نعم إن السبب الثاني في هذا الخلط والازدواجية المقيتة عند فئام من الشباب هو: ابتاع الهوى، فإن هذا الصنف من الشباب -للأسف- تجده تجمح رغبته في تحقيق بعض الأنشطة التي تتوافق مع هواه ومزاجه الشخصي بغض النظر عن أي سبب أو دافع آخر.

فتجده على استعداد للمشاركة في تنظيف المسجد من المغرب حتى بعد العشاء بساعات ليلة العيد مثلًا -لأَنَّ هَذَا يَتَوَافَقُ مَعَ رَغْبَتِهِ وَهَوَاهُ- وهو في ذات الوقت لا يكترث لأمه وأخواته وهم يرجونه أن يكون معهم لتنظيف بعض ما لا يقوون على تنظيفه، وتجده على استعداد للمشاركة في يوم طويل شاق للتدريبات الكشفية -لأَنَّ هَذَا يَتَوَافَقُ مَعَ رَغْبَتِهِ وَهَوَاهُ- ولكنه يستنكف ويتأفف من إخراج كيس القمامة من بيته إلى خارج البيت.

وتجده مسرورًا وهو موجودٌ في النادي الرياضي من الصباح حتى الرواح دون كللٍ -لأَنَّ هَذَا يَتَوَافَقُ مَعَ رَغْبَتِهِ وَهَوَاهُ- ولكنه يتماوت ويتمارض ويتكاسل أن يجلس على طاولة القراءة والمذاكرة لساعات -قليلة- متعاقبة!

فالهوى والرغبة والمزاج وما يحلو للمرء يجب أن يكون تابعًا لما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم، لا أن يُقدم الهوى وتقدم الرغبة والشهوة وفي الحديث قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “لَا يُؤمِنُ أحدُكُم حتَّى يَكُونَ هَوَاهُ تَبَعًا لِمَا جِئتُ بِهِ” السنة للبغوي 15، ونحن قد بايعنا رسولَ الله صلى الله عليه وسلم في المنشط والمكرة وفيما نحب ونكره، وليست الطاعة المقبولة التي تكون خاضعةً للمزاج محكومةً للهوى تابعةً للرغبة.

فما وصل الصحابة -رضي الله عنهم- إلى ما وصلوا إليه إلا حين داسوا على رغباتهم ولم يطاوعوا شهواتهم ولم يتَّبعوا أهوائهم، فقد كان الصحابة رضي الله عنهم يسمعوا ويطيعوا وإن كان الأمر مخالفًا لهواهم ورغبتهم، فقد كان هوى الصحابة جميعًا البقاء مع رسول الله في المدينة المنورة والجلوس بجانبه والنظر في وجهه والنيل من بركته وعلمه ونبوته، غير أن هذا كله تم تجاوزه لأن المطلوب كان أمرًا آخر، كان المطلوب ترك الأهواء والرغبات والانطلاق في الأرض لتبليغ رسالة الله للعالمين، ولو كان في ذلك ترك مجالسة النبي صلى الله عليه وسلم.

إنَّ قلةَ الفَهْمَ واتِّبَاعَ الهَوَى يُورِدُ العَبدَ مَهَاوِي الرَّدَى، وإنَّ الخَلاصَ يَكمُنُ فِي: الزَامِ نَزَواتِ العَوَاطِفِ بِنظَرِاتِ العُقُولِ؛ كَما قال الإمامُ البنا -رحمه الله- فاللهُمَّ تَوفيقًا وَسَدادًا وَقَبولًا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى