الدين والحياةدين ودنيا

الصحابة ليسوا ملائكة

كتب : د. وائل الزرد داعية إسلامي

خيرُ ما طلَعت عليهِ الشمسُ بعدَ الأنبياءِ المرسلينَ هم صحابةُ النبي محمد صلى الله عليه وسلم، “كَانُوا خَيْرَ هَذِهِ الْأُمَّةِ، أَبَّرَهَا قُلُوبًا، وَأَعْمَقَهَا عِلْمًا، وَأَقَلَّهَا تَكَلُّفًا، قَوْمٌ اخْتَارَهُمُ اللهُ لِصُحْبَةِ نَبِيِّهِ صلّى الله عليه وسلم وَنَقْلِ دِينِهِ، فَتَشَبَّهُوا بِأَخْلَاقِهِمْ وَطَرَائِقِهِمْ فَهُمْ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، كَانُوا عَلَى الْهُدَى الْمُسْتَقِيمِ؛ وَاللهِ رَبِّ الْكَعْبَةِ”.

فما عرفت الدنيا أكرمَ ولا أفضلَ ولا أحسنَ ولا أجلَّ ولا أعزَّ من أصحابِ نبينا محمدٍ صلى الله عليه وسلم، فقد كانوا أذلةً على المؤمنين أعزةً على الكافرين، كانوا أشداءَ على الكفار رحماءَ بينهم، بُشِّروا برضى الله عنهم وهم يبايعون نبيَّهم تحت الشجرة، وأُبلغوا بتوبة الله لهم في ساعة العسرة، “ولَوْ أَنَّ أَحَدًا أَنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا مَا أَدْرَكَ مُدَّ أَحَدِهِمْ، وَلَا نَصِيفَهُ”.

ولا يعرف الفضلَ لأهل الفضل إلا ذو الفضل، ولا ينكرُ المعروفَ إلا جاحدٌ جبانٌ، ولا ينتقص من أهل الكمال والتمام -البَشَرِي- إلا ناقصُ العقل والدين، ولا يجحدُ جميلَ صُنعهم وحُسنَ فعالِهم إلا قبيحُ الصنع خسيسُ الفعل؛ فهم المُقدمون المُكرمون، مَن أحبَّهم أحبَّه اللهُ ومَن أبغضَهم أبغضَه الله، فهُم منَّا ونحنُ منهُم، نحبهم ونحبُّ كلَّ مَن يُحبُّهم، ونتبرأُ مَن كلِّ مَن يُعاديهم وينتقصُ منهم، وكل الظن أنهم قد حطُّوا رحالَهم في دار النعيم إن شاء الله رب العالمين.

ومع ذلك نقول:

لم يزعم واحدٌ ممن سبق ولا ممن لحق بأن الصحابة -رضي الله عنهم- كانوا ملائكة مطهرين ولا أنبياء مرسلين ولا أولياء معصومين، فلا عصمة لأحد بعد النبيين؛ حتى إن الأنبياء والمرسلين وقع منهم ما يثبت بشريتهم وينفي عنهم ما أُلصق بهم من صفات الألوهية والربوبية، وهذا على وجه التحقيق العلمي الدقيق وليس هذا مجال بسطه، فالصحابة رضي الله عنهم مع علو مكانهم يبقون بشرًا مثل باقي البشر، يصيبون ويخطئون، ويحسنون ويسيئون، ويذنبون ويستغفرون، وليس فيهم من ادَّعى العصمة أو أنه بلغ منزلة الملائكة أو وصل إلى درجة المُوحى إليهم، بل إن القارئ لسيرة هؤلاء الأكارم يدرك بجلاء أنهم في كل مرة كانوا يرسخون في نفوس أهليهم ومن هم بجانبهم بأنهم: بشرٌ غير أن الله فضَّلهم بمزية وهي: صحبة النبي محمد صلى الله عليه وسلم، وهي واللهِ خيرُ الطاعات وأجلُّ القربات، وما سبقنا الصحابةُ رضي الله عنهم إلا بشرف صحبتهم للنبي صلى الله عليه وسلم، وما أعظم حسرةَ من جاء مهاجرًا إلى المدينة لينال شرف الصحبة فقيل له: مات رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولولا أن القلوب لا تقر ولا تسكن إلا بذكر الله لكان أن تقطع نياط قلب هذا المسكين خيرٌ له من سماع خبر الوفاة هذه.

لست هنا بصدد جميع وسرد أخبار وحوادث تثبت بشرية الصحابة وأنهم تلبسوا بالذنوب الصغائر منها والكبائر، وذلك ليبقى -بلا شك- هؤلاء الصحابة في محل الاقتداء والتأسي من قِبل آحاد المسلمين، ولكن علينا ألَّا نبالغ في مدح الصحابة وكأنهم ملائكة أو أنبياء، خاصة أن من سيقرأ في كتب السيرة والتاريخ سيصدم -للأسف- ببعض الأحداث الأليمة التي وقعت من فلان أو فلان، وحتى أكون أكثر صراحةً: لم تكن هذه الهفوات والأخطاء من الجيل الأخير من الصحابة، بل كانت هذه الهفوات والكبائر أحيانًا من بعض كبار الصحابة رضي الله عنهم أجمعين.

ونحن حين ننادي على أجيال الأمة المتعاقبة بضرورة التأسي والاقتداء بمن قد مات على الإيمان والهدى من الصحابة رضي الله عنهم، فلا يمكن أن يخطر ببالنا أن التأسي لا يكون إلا بملاك مطهَّر وأن الاقتداء لا يكون إلا بنبيٍّ معصوم، لا فالملائكة والأنبياء عبر اتصالهم بوحي السماء يُكفل لهم أن يبقى في دائرة الخير والمعروف، فهم يرون ما لا نرى، ويسمعون ما لا نسمع، ويعلمون ما لا نعلم.

نقول هذا الكلام حتى لا يحدث عن المسلمين -غير الراسخين- صدمةٌ نفسية أو ردَّةٌ داخلية حين تمر عيونُهم على بعض ما هو مكتوب في كتب صحيح السنة أو السيرة والتاريخ، فيقولون باستغراب: أهؤلاء الذين كنتم تطالبوننا بالاقتداء بهم؟ أهؤلاء هم طالبتمونا بالتأسي بهم؟ وهم يفعلون كذا وكذا! وهذا خلل في الفهم كبير، وجهل في الدين أكبر، ويتحمل بعض الدعاة وزر هذه الإشكالية الفكرية عند كم كبير من أجيال المسلمين، حيث رفعوا الصحابة مكانة عالية قاربت الملائكة والأنبياء وجعلهم بلا معاصٍ أو أخطاء، بل وصار المقترب من سيرتهم مستفسرًا متسائلًا مشكوكٌ في دينه متهمٌ في عقيدته، تنهال عليه أوصام الانتقاص وأختام الزندقة والفسوق والعصيان.
“الصَّحَابَةُ بَشَرٌ” وقع منهم ما وقع لأنهم بشر، غير أنهم -عبر التاريخ- أقلُّ المسلمين خطأً وأكثر المسلمين صوابًا، أقلُّ المسلمين ذنبًا وأكثر المسلمين طاعةً، أقلُّ المسلمين ضلالًا وأكثرهم هدايةً، أقلُّ المسلمين فعلًا للحرام وأكثرهم فعلًا للحلال، ولكنهم وقع منهم: الخطأ، والذنب، والضلال، والحرام وما أخرجهم ذلك عن حيز المتقين ولا المحسنين.

إذ للأسف ساهم بعض الدعاة والعلماء في رسم صورة ذهنية عند المسلمين للصحابة والصالحين أيضًا هي أقرب للملائكة والمرسلين، فهم في الليل قوَّام وفي النهار صوَّام، يبكون خوفًا من الله في الليل والنهار، لا يحبون المال ولا يسعون لجمعة، منزوون في المساجد والصوامع، ينتظرون الموت ودخول القبر، يلهجون بالذكر والتسبيح، يصلون حتى تنقطع منهم الأنفاس، ويصومون حتى كأنهم لا يفطرون، يهجرون الأهل والدنيا والزواج والحياة إلى غير ذلك مما جُمع للأسف في كتبٍ خاصة، ثم أُخرج للناس على المنابر واللقاءات دفعةً واحدة، متناسين أن الاعتدال والوسطية قائمة على: “لَوْ كُنْتُمْ كَمَا تَكُونُونَ عِنْدِي لَصَافَحَتْكُمْ الْمَلَائِكَةُ عَلَى فُرُشِكُمْ -أَوْ عَلَى طُرُقِكُمْ- يَا حَنْظَلَةُ، سَاعَةً وَسَاعَةً”.

المُتَّقُونَ المُحسِنُونَ والصَّحَابَةُ قَبلَهُم: يَقعُ منهُم مَا يَقعُ مِنَ النَّاسِ، غَيرِ أنَّهُم يُتبِعُون الحَسَنةَ السَّيئةَ فَتمحُوهَا، ويُكثِرُونَ مِنَ الحَسَنَاتِ فَتُذهِبُ السَّيئاتِ، وَيُسَارِعُونَ فِي التَّوبِةِ وَيُبَادِرُون لِفعلِ الخَيرَات.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى