الدين والحياةدين ودنيا

إِمَامِي أَمَامِي

كتب د. وائل الزرد داعية إسلامي

هذه العبارةإمَامِي أَمَامِي” التي بات الشباب يرددها في كل وقت وحين، وخاصة عندما يجيء الحديث عن القادة والزعماء، وكأنهم يُعرِّضون ببعضهم لا بأكثرهم، وهي عبارة بلا شك تُبكي أكثر من أي شيء آخر، لأنها تشير بشكل واضح عن حالة انفصالية بين الشباب المسحوق من جانب وبين بعض قيادات العمل -بكل أنواعه- من جانبٍ آخر، وهي حالة لا تُبشر بخير على كل الأحوال، لا من جهة الشباب الذين يستطيلون في أعراض هؤلاء القيادات، بل من جهة هؤلاء القيادات الذين لم يعيشون في حالة منعزلين عن بقية الشباب إلا من رحم الله.


لقد عاش أجيالُ الصحوة من الشبابِ على أمجادِ الصحابة وذكرياتِ التابعين، وما وصلّ إلى سمعِهم إلا قصصُ الزهدِ والتقشفِ والبعدِ عن مُتعِ الحياة الدنيا، وقصصِ العدلِ والمساواةِ بين الراعي والرعية، وقد أكثرَ الدعاةُ من قولِهم: “رَبَطَ رسولُ اللهِ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم- عَلَى بَطْنِهِ حَجَرًا مِنَ الْجُوعِ” وعلى قول أبي بكر -رضي الله عنه-: “وإنِّي لَأرْجُو أنْ لَا يُغيِّرنِي مَا دَخَلتُ فِيهِ عَن خُلُقٍ كنْتُ عَلَيهِ” وعلى قول عمر -رضي الله عنه-: كَانَ يَنقُرُ بَطنَهُ بِأصْبُعِه وَيقُولُ قَرْقِرِي أوْ لَا تُقرْقِرِي فَواللهِ لَا تَأكلِي السَّمنَ حَتَّى يَأكُلُه النَّاس” وعلى أنَّ عثمان -رضي الله عنه-: “كَانَ يُطعِمُ النَّاسَ طَعامَ الإِمَارَةِ وَيدخُلُ بيتَهُ فَيأُكلُ الخَلَّ والزَّيتَ” وعلى قول عليٍّ -رضي الله عنه- للدنيا: “إِليَّ تَغَرَّرْتِ؟ إِليَّ تشوَّفتِ؟ هَيهَات هَيهَات، غُرِّي غَيرِي، قد بتَتُّكَ ثلاثاً. فعِرُّك قَصيرٌ، ومَجلِسُك حَقيرٌ، وخَطرُكِ يَسِير، آهٍ، آهٍ”.


أقول: على مثل هذه العبارات والقصص تربَّى جيل الصحوة واستقر في أذهانهم أن القادة لن يكونوا أصحابَ مقامٍ عالٍ يُسمع لهم ويطاع في المنشط والمكره فيما يحب المرء ويكره إلا شابهوا من مضى من الصحابة والتابعين، وساروا على منهاجهم في التقلل من الدنيا أن لم يكن الزهد فيها، هذا بالإضافة إلى وجودهم بين الشباب حبًّا وإكرامًا وقضاءً للحاجات، وبهذا يستحقون أن يكونوا أئمةً لهم ويكون الشباب لهم مأمومين، وتصدق عبارة الشباب ساعتها: “مَن أرَادَ أنْ يَكُونَ إمَامِي أَمَامِي”.


وحتى لا تختلط المفاهيم أبادر فأقول: إن كان ثمة خطأ تربويًّا ارتكبه بعض العلماء والدعاة فهو: اقتصروا في ذكر صفحة واحدة من حياة الصحابة وهي المليئة بالزهد والتقشف والبعد عن الحياة الدنيا وكذا العدل والمساواة، دون أن يذكروا لهم كذلك صفحات أخرى عاشها الصحابة الذين كانوا أربابَ مالٍ وأصحابَ تجارات ومُلَّاك عقارات دون أن يقدح هذا في عدالتهم أو إمامتهم.


إننا وبكل صراحة: نلاحظ انشغالًا من بعض الاخوة الذين تبوأوا أماكن قيادية في بعض الملفات، فابتعدوا بهذا عن الخلطة بالشباب وتلمس حاجاتهم، وقد كانوا إلى أمدٍ قريب يعيشون بين الشباب ويخالطونهم في أفراحهم وأحزانهم، ويشاركونهم الحياة بصفحاتها كلها، ولم يكن الشباب يجدون بونًا ولا شرخًا ولا سدًّا بينهم وبين هؤلاء الإخوة من قيادات العمل، غير أنهم اليوم باتوا يتندرون على فلان وعلان ممن ظهرت عليه آثارُ النعمة وملامحُ المِنَح، وما ذاك إلا لوجود هذا الانفصال الحقيقي بينهم وبين الشباب، غفر الله للجميع.


إنَّ التصدرَ لإمامةِ قلوبِ المسلمينَ ليستْ كغيرِها، فإِمامُ الصلاة إن صلَّى بالناس وهم له كارهون لم تُقبل له صلاة، وإنَّ التربعَ على عرشِ الأفئدةِ والقلوبِ لا يكونُ بالانفصالِ والابتعادِ وعدمِ الاختلاط، وإنَّ استمطارَ السماءِ بالرحماتِ من قلوبِ المُحبينَ لا يكونُ بالاعتذارِ الدائمِ عن قضاءِ حاجاتِهم أو التلكؤِ المستمرِ برفضِ لقاءاتِهم أو التنكرِ أحيانًا لأعمالِهم وانتقاصِ أنشطتِهم، فما استقرَّت محبةُ النبي -صلى الله عليه وسلم- في قلوبِ الصحابةِ إلا حينَ رَأوْه أمامَهم في كلِّ خيرٍ ومعروف، ولا رضيَ الصحابةُ بخلافةِ أبي بكرٍ إلا لأنهُ عاشَ وماتَ بينَ أظهرِهم، ولا أقرَّ الناسُ بخلافةِ عمرَ إلا لعدلٍ رأوْه علَى نفسِه وأهلِ بيتِه قبلهُم.


ينسى بعض إخواننا -أحيانًا- ممن صار لهم أماكن قيادية هنا أو هناك، ينسَون أننا دعاةٌ إلى الله قبل كل شيء، هدفنا الأبرز كوننا أبناء حركة إسلامية أن نكون سببًا في هداية الخلق وإرشاد الناس إلى صراط الله المستقيم، وإن الدعوة إلى الله -سبحانه- ولَا تَتَنَاسَبُ أبدًا مع التعالي على الآخرين ولو كانوا على غير دين، ولَا تَتَنَاسَبُ أبدًا مع اعتزال الناس وعدم مخالطتهم، ولَا تَتَنَاسَبُ أبدًا مع إقامة صلاة الجماعة في أماكن العمل والبيوت مع ترك كاملٍ دائمٍ لبيوت الله، ولَا تَتَنَاسَبُ أبدًا مع إغلاق نوافذ السيارة -ذي اللون الأسود- دونَ ردِّ السلامِ علَى مَن نَعرفُ ومَن لَا نَعرف، ولَا تَتَنَاسَبُ أبدًا مع نزع اليد من العمل الدعوي والتربوي وممارسة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فلإخواننا -هؤلاء- مكانة كبرى ذات تاريخ طويل من التضحية والفداء في أول خطوات الدعوة في بلادنا؛ وهذا لا يجوز بحالٍ ألا يورث للأجيال عبر اللقاءات المتكررة والدروس المستمرة.


إنَّ بعضَ إخوانِنا هداهمُ اللهُ ما عادَ يكترثُ لعبارةِ الشباب “إِمَامِي أَمَامِي”، فهوَ إمامٌ في مكانهِ في العملِ أو مكانتِه في الحركةِ، وهو أمَامَ هذا وذاك طوعًا أو كرهًا، وينسَى هذا الأخُ الكريم أنَّ الإِمَامةَ قد تكون كرهًا وغصبًا بحُكم المكان والمكانة لكنها لا تجلبُ محبةً ولا دعاءً، وفي الحديث “خِيارُ أئمَّتِكُمُ الَّذينَ تحبُّونَهُم ويحبُّونَكُم وتُصلُّونَ علَيهِم ويصلُّونَ علَيكُم وشرارُ أئمَّتِكُمُ الَّذينَ تبغَضونَهُم ويبغَضونَكُم وتَلعنونَهُم ويَلعنونَكُم”.


إنَّنَا -يَعلمُ اللهُ- نَعتَرِفُ لإخوَانِنَا الذينَ سَبقُونا بِالإيمَانِ وَالدَّعوَةِ بِالفَضلِ والسَّبقِ، ونَرجُو لَهُم أنْ يُتَمِّموا هَذَا الخَيرَ بِالبَقَاءِ أَئِمةَ هِدَايَة وِمِشعَلَ نُورٍ وَمَأوَى قُلُوب، يَتَقَدَّمُوا أمَامَنَا مَكَانًا لِيَكُونُوا أَئِمَّةً مَكَانَةً.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى