الدين والحياةدين ودنيا

قبل أن تغرق السفينة

كتب د. وائل الزرد داعية إسلامي

يظن بعض السفهاء أننا حين نتكلم عن سياسة الحكم وإدارة الملفات في بلادنا أو في البلاد الأخرى يظن أننا نتدخل فيما لا يعنينا، وأحيانًا يتطور الأمر عند هؤلاء السفهاء فيتهمون الناصحين بالخروج عن الطاعة وبشق عصى الجماعة والعمل الشخصي والقائمة في التلفيقات والافتراءات طويلة أطول من لسان السفهاء أنفسهم، ذلك لأنَّ “الضمير ميت والتهمة جاهزة”.


وهذه الكلمات التي سأكتبها اليوم ما هي إلا غيضٌ من فيض قد امتلأت به قلوب مئات من المحبين الغيورين على الدعوة الإسلامية ومشروعها، وإن من مقتضيات بيعتنا للنبي صلى الله عليه وسلم قبل غيره “النَّصِيحَةُ لِكُلِّ مُسْلِم” سواء قَبِل النصيحة أو ردَّها، فواجبنا أن نكون من الناصحين، وواجب غيرنا من أولياء الأمر أن يكونوا من السامعين؛ فإن رأَوا خيرًا عملوا به ولو بعد حين -ونكون قد أدَّينا الذي علينا- وإن رأَوه شرًّا تركوه في الحين -ونكون وقتها أخطأنا التقدير- ومن العبارات التي تربينا عليها في تاريخنا الإسلامي “لَا خَيرَ فِينا إنْ لَم نَقُلهَا، ولَا خَيرَ فِيكُم إِنْ لَمْ تَسمَعُوهَا”.


إنَّ المجتمعات لا تبقى صامدة في وجوه عواصف الإزاحة وأمواج التغير لأن أهلها “صالحون” فقط بل إن وجود هؤلاء الصالحين دون أن يمارسوا مهمتهم الكبرى في الإصلاح والتغير والأمر والنهي مؤذن -حين يكثُر الشر- بهلاك المجتمع بكل ما فيه، وإمضاء سنة التغير، وفي صحيح البخاري 3598 قَالَتْ زَيْنَبُ: فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنَهْلِكُ وَفِينَا الصَّالِحُونَ؟ قَالَ: «نَعَمْ إِذَا كَثُرَ الخَبَثُ».


نعم “تَغْرَقُ السَّفِينَةُ” ولو كان فينا صالحون -إن كثر الخبث- ذلك لأن الصالحين ما أمروا بمعروف حين لم يروه ولا نهَوا عن منكر حين رأوه، انكفأوا على أنفسهم واعتزلوا في صوامعهم وأمسكوا ألسنتهم وبكَوا على خطيئتهم وتركوا السفينة وحدها وهم يرونها تغرق رويدًا رويدًا، ظانين أنهم بصلاح أنفسهم ينجَوا وتناسوَا قول رب العالمين {وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (25)} وقد حدثنا القرآن الكريم عن طائفة من الناس رأتِ المنكر يتلاعب به طوائف من الناس حين احتالوا على أمر الله ظنًّا منهم أنَّ الله لا يعلم كثيرًا مما يعملون، فسكتوا وصمتوا وما أمروا ولا نهوا منتظرين عقوبة الله أن تحل على القوم الظالمين المُنتهكين لحُرمات الله، لكنَّ المفاجأة كانت أنَّ الله حين أخبرنا عن أخذ الذين ظلموا بالعذاب البئيس لم يذكر بالنجاة إلا الذين واصلوا التجديف لآخر لحظة حتى “لَا تَغْرَق السَّفِينَةُ” قال الله -سبحانه- {فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (165)}

نعم نقول بكل قوة “”لَا تَغْرَق السَّفِينَةُ” يجب على كل ناصح أمين أن يسارع ويبادر بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قبل أن يدعو خيارُنا فلا يُستجاب لنا، فإن الخطب يزداد والشر يتكاثر، وأصحاب الأهواء ومتبعو الشهوات يريدون أن نميل ميلًا عظيمًا، وما عاد يكفي الصلاح -وحده- للنجاة حتى يُتوج بالإصلاح، فَعَنْ جَابِرٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “أَوْحَى اللَّهُ إِلَى مَلَكٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ أَنِ اقْلِبْ مَدِينَةَ كَذَا وَكَذَا عَلَى أَهْلِهَا، قَالَ: إِنَّ فِيهِا عَبْدَكَ فُلَانًا لَمْ يَعْصِكَ طَرْفَةَ عَيْنٍ قَالَ: اقْلِبْهَا عَلَيْهِ وَعَلَيْهِمْ، فَإِنَّ وَجْهَهُ لَمْ يَتَمَعَّرَ لِي سَاعَةً قَطُّ أو قال: فَإِنَّ وَجْهَهُ لَمْ يَتَمَعَّرْ غَضَبًا لِمَحَارِمِي” رواه الطبراني وهو حسن بشواهده.


هذا مع صلاحه الشخصي؛ غير أنَّ هذا الصلاح الشخصي لم يكفل النجاة لا له ولا لغيره، بل شملهم العذاب وأكثر؛ حيث بُدأ به العذاب قبل غيره، بينما لو كان هذا الرجل “مُصْلِحًا” أمَّارًا بالمعروف نهَّاءً عن المنكر لكان له شأنٌ آخر، فإن الملائكة حين جاءت بالبشرى لنبي الله إبراهيم وأخبروهم بإهلاك قوم لوط الظالمين بادر قائلًا {إِنَّ فِيهَا لُوطًا} تنبيهًا منه على وجود مصلحٍ بينهم، وإذا بهم يفاجئون إبراهيم عليه السلام بإنهم على علم بذلك وأنه سيكون من الناجين {نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيهَا لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ}.


أقول حتى “لَا تَغْرَق السَّفِينَةُ” يجب أن يتقدم الناصحون دون مهابة من أحد ولا خوف على رزق، فالآجال والأرزاق بيد الله الواحد الأحد، وفي مسند الإمام أحمد 11498 عَن أبي سَعيدٍ الخُدرِي عنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: “لَا يَمْنَعَنَّ أَحَدَكُمْ هَيْبَةُ النَّاسِ، أَنْ يَتَكَلَّمَ بِحَقٍّ إِذَا رَآهُ أَوْ شَهِدَهُ أَوْ سَمِعَهُ” ذلك لأنَّ الله سبحانه وتعالى ما كان ليهلك قريةً إلا إذا ظاهرَ أهلُها بالظلم وما استحَوا {وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ} والله سبحانه لا يُهلك القريةَ بظلمٍ بل بالعدل، ومن الظلم الذي يتسبب بإهلاك القرى فقدان عناصر الإصلاح وسكوت المُصلحين{وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ} فإن إنعزال العلماء والدعاة عن حياة الناس وانقطاع الأمر بالمعرف والنهي عن المنكر وإغلاق الفم عن النصيحة وتقديمها، كله هذا مؤذن بخراب القرى وإحلال العذاب من السماء، ومن قديم قالوا: إذَا مَا الظُّلمُ حَلَّ بِأرْضِ قَومٍ وَعَمَّ البَلاء فَوَيلٌ ثُمَّ وَيلٌ لِأَهْلِ الأَرْضِ مِن رَبِّ السَّمَاء


وختامًا حَتَّى “لَا تَغْرَق السَّفِينَةُ”:

إنّ مَا نَراهُ اليومَ مِن بَدءٍ لِانتشَارِ أنوَاعٍ مِنَ المُنكَرِ وتَأخرٍ لبَعضِ حَالاتِ المَعرُوفِ يَفرضُ علَينَا أنْ نَتحَلَّى بِالشَّجَاعةِ وَحُسنِ التَّوكلِ علَى الله، وأنْ نَتقدَّمَ بِالنَّصيحَةِ لِأهلِهَا دُونِ تَأخُّرٍ، فَالسَّفينَةُ حِينَ تَغرقُ -لَا قدَّرَ اللهُ- سَيهَلكُ الجَميِعُ ولَو كَانَ فينَا كَثيرٌ مِنَ الصَّالحِين…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى