فلسطينيات

النقب الثائرة فلسطينية الهوية وعربية الانتماء “3”

ملاحقاتٌ واعتقالاتٌ وتعدياتٌ وانتهاكاتٌ

بقلم د. مصطفى يوسف اللداوي

كأنه احتلالٌ جديدٌ لصحراء النقب، فقد انتشرت قواتٌ عسكرية من الجيش والشرطة، مدججة بالسلاح ومزودة بعشرات السيارات السريعة والمصفحة، وقامت بمداهمة القرى والبلدات والتجمعات السكنية العربية البدوية، وشنت حملة اعتقالاتٍ واسعةً ضد شبان وشابات النقب، ومختلف القطاعات السكانية البدوية.

فاجأ بدو النقب الجيش والأجهزة الأمنية الإسرائيلية بجاهزيتهم العالية، وحضورهم اللافت، ومشاركتهم الفاعلة، ومساهماتهم المبتكرة، وحسهم الوطني، وخطابهم الإعلامي، وعرضهم الإنساني، وأسلوبهم المؤثر، واتقانهم للغة الانجليزية التي عبروا بها بامتيازٍ، إلى جانب اللغتين العربية والعبرية عن قضيتهم ومعاناتهم، وكشفوا عن ممارسات سلطات الاحتلال العنصرية، واعتداءاته الوحشية على السكان جميعاً، واستهدافه الهمجي النساء والأطفال والشيوخ، خلال محاولاتهم القسرية انتزاعهم من أرضهم، وإخراجهم من بيوتهم، وإبعادهم عن مناطق سكنهم وعملهم.

لم يُسَلِم شبان النقب العرب لسلطات الاحتلال الإسرائيلي، ورفضوا الخضوع لأوامره والانقياد لسياسته، فثاروا ضد عدوانه، وانتفضوا ضد تعدياته، وخرجوا فرادى وجماعاتٍ في تظاهراتٍ عديدة، هاجموا فيها دوريات الجيش ومراكز الشرطة، التي يحتجزون فيها شبانهم، وينقلونهم إليها من كل البلدات والتجمعات العربية، وقذفوها بالحجارة والزجاجات الحارقة، مطالبين سلطات الاحتلال بالكف عن الاعتداء على بلداتهم، وتجريف بيوتهم، وإخراج أهلهم عنوةً منها، واحترام حقوقهم، وعدم المساس بوجودهم أو تهديد هويتهم.

د. مصطفى اللداوي

شعر الإسرائيليون بانزعاجٍ شديدٍ من الحراك البدوي الواسع، الذي بدا هذه المرة مختلفاً عن أي حراكٍ أو احتجاجٍ سابقٍ، فالتظاهرات واسعة، والتضامن كبير، والتنظيم دقيق، والشعارات منتقاة، والأهداف واضحة، والحماسة شديدة، والمشاركة شاملة.

وقد شعر البدو جميعاً بأن الاستهداف مقصود، والتآمر واضح، والجهود منسقة، والنوايا ماكرة، والغاية المرجوة من التضييق عليهم خبيثة، مما استدعى أن يكونوا جميعاً يداً واحدة وإرادة صلبة في مواجهة مخططات الاحتلال والتصدي لمشاريعه، وإلا فإنه سيستفرد بهم، وسيقضم أرضهم، وسيصادر حقوقهم، وسيشق صفهم، وسيشتت جمعهم، وسينفذ في أرضهم مشاريعه القديمة وأحلامه الكثيرة، التي لم يستطع خلال العقود الماضية تنفيذها لأسباب كثيرة، ولعله يظن أن الفرصة اليوم مواتية، والظروف مناسبة، وقدراته على تهويد النقب كبيرة، ورفض سكانه الإقامة في النقب والعزوف عن العيش في صحرائه قد تراجعت.

يخشى الإسرائيليون من اتساع دائرة الغضب العربية، ويشعرون بقلقٍ كبيرٍ من إمكانية انتقالها إلى البلدات العربية الأخرى، وهم الذين لم يتعافوا بعد من صدمة الهبة العربية الشاملة إبان محنة أهل الشيخ جراح ومعركة “سيف القدس”، التي هددت أمنهم، وأربكت حساباتهم، وأدخلتهم في تحدياتٍ جديدةٍ وتهديداتٍ وجودية، ولهذا فهم يسارعون الخطى ويسابقون الزمن لاستيعابها والسيطرة عليها، وتطويقها والحيلولة دون انتقالها أو انتشارها، ورغم تخوفهم فإنهم يصرون على سياستهم العنصرية ضد بدو النقب، ويبالغون في فرضها، ويتشددون في تنفيذها، ويغمضون عيونهم عن كل التجاوزات التي يرتكبها جيشهم وأجهزتهم الأمنية.

تدعي سلطات الاحتلال الإسرائيلي، التي تخطط لتشجير مناطق واسعة من أراضي الفلسطينيين البدو، أنها تقوم بمشاريع لخدمة البيئة، وتجميل المنطقة، وتحسين ظروف العيش فيها، وأنها تعمل على تلطيف مناخها الحار صيفاً والبارد شتاءً، ليسهل إعمارها وتصبح جاذبة للمستوطنين، وصالحة لمشاريع الإسكان، ولكن الحقيقة هي غير ذلك تماماً، فهي تعمل على انتزاع الأراضي من مالكيها الفلسطينيين، وتمليكها للصندوق القومي الإسرائيلي، الذي دأب على سرقة الأراضي الفلسطينية، والسيطرة على ممتلكات الغائبين منهم، لصالح مشاريع الاستيطان اليهودية التي يشرف عليها وينفذها.

لكن الفلسطينيين الذين يكذبون العدو الإسرائيلي في كل ما يقول، ويدركون حقيقة أهدافه وسر سياسته، أبدوا تجاهه تحدياً وعناداً في مواجهة مخططاته، التي يعرفونها جيداً ويذكرونها، ولا تغيب عنهم ولا تنطلي عليهم، فهي تعيدهم إلى أحداث قرية “أم العراقيب”، التي هدمها الاحتلال عشرات المرات، ولكنهم كانوا دوماً يتمسكون بها ويعيدون بناءها من جديدٍ، ويتحدون إرادته وهو صاحب السلطة الباطشة والقمع المستمر، وفي يقينهم اللا محدود أنهم سينتصرون عليه وسيتغلبون على إرادته، وسيبقون في الأرض ثابتين كجبالها، ومنتشرين كصحرائها، وشامخين وقوفاً كأشجارها.

يشعر الفلسطينيون جميعاً في الأرض المحتلة تحديداً وفي عموم الأرض أيضاً، بنوعٍ من الفخر والاعتزاز لهبة البدو وانتفاضة أهل النقب، وغضبة الأحرار وثورة الأشراف، فهذه الهبة تمثلهم وتعبر عنهم، وهي جزءٌ من نضالهم وصفحةٌ مجيدة من تاريخهم، لهذا وقفوا إلى جانبهم وتضامنوا معهم، ونظموا المظاهرات نصرةً لهم، وأكثروا من الوقفات والمسيرات تأييداً لهم، وباتت أخبارهم تتصدر مجالسهم وتسبق اهتماماتهم، وانتشرت صورهم وشاعت قصصهم، وأخذوا يتناقلون كلمات أبنائهم وبناتهم، ويتابعون قضيتهم وينشغلون بنضالهم، فهم من قلب الأرض يثورون، ومن داخل الوطن ينتفضون، وفي بيوتهم يحتمون، وبين شعبهم يعيشون، ومن أجل قضيتهم يضحون، وعن حقوقهم يدافعون، فاستحقوا النصرة، واستأهلوا التضامن والتأييد.

إنها إرادة جديدة وتحدي من نوعٍ آخر، وإصرارٌ فلسطينيٌ عنيدٌ على التصدي والتحدي، والبقاء والوجود، وهي مراحل نضالية، وأشكالٌ للمقاومة تتابع، وساحاتٌ تخمد وأخرى تستعر، وظروف تضيق وفرصٌ تخلق، فلن يموت الفلسطيني ولن يستلم، ولن يهنأ العدو ولن يستقر به الحال ولن يطول به المقام، فهذه أرضنا، وهي بلادنا، فيها سنبقى، وعليها سنعيش، وتحت ترابها سندفن، ومنها سنبعث إن شاء الله، فطوبى للمقاومين فيها، والثابتين عليها، والمناضلين من أجلها، والمضحين في سبيلها، والمرابطين فوق ثراها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى