الدين والحياةدين ودنيا

بعنوان: استووا يرحمكم الله


كتب د. ائل الزرد داعية إسلامي

شهدتُ صلاة المغرب قبل أيام في مسجد فوجدت المسجد ممتلئًا بالمصلين، وما أن دخل الإمام حتى تنادت الأصوات مطالبة الإمام بالجمع بين المغرب والعشاء بحكم أن السماء بدأت تمطر، والإمام وقف مذهولًا أمام شدة حرص المصلين على الجمع، وهو الحريص على عبادتهم والمستأمن على صلاتهم، وهو أصلًا لا يمانع من الجمع إن توفرت أسبابه الشرعية.

ومع أن الإمام جمع المغرب والعشاء جمع تقديم لقيام السبب الشرعي لذلك؛ غير أني وجدت نفسي مضطرًا أن أقول كلمات لجميع المصلين محاولًا تصويب المسيرة وإسداءً للنصح للمسلمين، فما نراه معروفًا لا منكرًا خاصة أن مطالبة المصلين بالجمع كانت كبيرة وحرصهم كان أكبر، حتى إن المسجد كان مكتظًا بالمصلين بشكل لافت للنظر، وعلى إثر هذا قلت:

ليس مشكلة أن يحرص الناس على الجمع بين الصلوات إن قامت الأسباب الشرعية المُجيزة لذلك، غير أنه من الواجب على الجميع أن يعلموا أن الله تعالى جعل للصلاة أوقاتًا محددة فقال في كتابه الكريم {إنَّ الصَّلاةَ كَانَت علَى المُؤمِنينَ كِتابًا مَوقُوتًا} وهذا هو الأصل والواجب أن يلتزم به المصلون سواء كان الواحد منهم مأمومًا أو إمامًا، وأما الجمع بين الصلوات فهو رخصة شرعها رسول الله صلى الله عليه وسلم رحمةً بالمسلمين ورفعًا للحرج عنهم كما في حديث سعيد بن جبير حين قال لابن عباس -رضي الله عنهما-: “لِمَ فَعَلَ ذَلِكَ؟ قَالَ: كَيْ لَا يُحْرِجَ أُمَّتَهُ” رواه مسلم: 705، وهذه الرخصة وهي الجمع بين الصلوات بلا شك يحب الله أن تؤتى ولكن بضوابطها من غير اتباع هوًى أو استجابة لمطالب المصلين، فَعَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: “إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ أَنْ تُؤْتَى رُخَصُهُ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ تُؤْتَى مَعْصِيَتُهُ، أو قال: كَمَا يُحِبُّ أَنْ تُؤْتَى عَزَائِمُهُ” رواه ابن حبان في صحيحه 2742، 3568.

غير أن هذه الرخصة ليست على المِزاج ولا على تفصل على مقاس أحدٍ من المصلين سواء كان إمامًا أو مأمومًا، والإمام والمأموم -كلاهما- يجب أن يكون كل منهما حريص على إقامة وأداء الصلاة في وقتها المشروع؛ دون تشددٍ من الإمام ودون تساهل من المأموم، فالإمام مطلوب منه أن يكون ذا فقه ورحمة بالضعيف، والمأموم مطلوب منه أن يكون ذا أدب وعزيمة على الأمر، وحين يقول الإمام للمصلين: “اسْتَوُوا يَرْحَمكُمُ اللهُ” فعليهم أن يسمعوا ويطيعوا للإمام فيما عزم عليه من أمرٍ ما دام الإمام صاحب فقه وأدب وحرص، فما جُعل الإمام إلا ليُؤتم به كما في الحديث عن عائشةً رضي الله عنها قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إِنَّمَا الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ، فَإِذَا صَلَّى جَالِسًا فَصَلُّوا جُلُوسًا، وَإِذَا صَلَّى قَائِمًا فَصَلُّوا قِيَامًا، وَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا، وَإِذَا سَجَدَ فَاسْجُدُوا، وَإِذَا رَفَعَ، فَارْفَعُوا”. رواه ابن خزيمة في صحيحه 1614.

إذًا: فالقول في المسجد هو قول الإمام لا قول غيره، فإذا قال الإمام فصدِّقوه فالقولُ ما قالَ الإمامُ، فالأمر ليس هيِّنًا فهو متعلق بالعبادة الوحيدة التي فُرضت في السماء، وهي التي من أجلها أرسل الله جبريل عليه السلام ليقف بالنبي صلى الله عليه وسلم إمامًا خمس مرات في اليوم والليلة ليعلمه الصلاة وأوقاتها، ولذلك فتوقف الإمام في الصلاة وتحريه الدقة في الجمع ليس عيبًا بل هو مما يشكر عليه الإمام -دون تشددٍ مقيت أو تنطع ممقوت، وإنما هو العلم والحرص على أداء العبادة في أصح وجوهها.

فيَا أيهُا المُصَلون الكِرَام:
الزَمُوا غَرزَ أئِمَّتَكُم فِي الصَّلاةِ، فالإِمَامُ ضَامِنٌ لِصِحَّةِ صَلَاتِكُم، وَمَن كَانَ لَه إِمَامٌ فَصَلاتُهُ له صَلَاة، والإِمَامُ لَا يَسِيرُ وِفقَ مَا يَطلُبُهُ المُستَمِعُون، وإنِّمَا هُو الفِقْهُ فِي الدِّينِ والرَّحْمَةُ بِالمُصَلِّين، فَاسْتَوُوا وَاسْتَقِيمُوا واعْتَدِلُوا يَرْحَمكُمُ اللهُ.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى