الدين والحياةدين ودنيا

متى سيكون التحرير؟

كتب : د. وائل الزرد داعية إسلامي

كَثُرَت الرؤى والاحتمالات لتحديد سنة تحرير فلسطين، ويتبرع على عرش المُحددين لهذه السنة أو تلك الشيخ الأديب د. بسام جرار، فهو من فترة طويلة -من أكثر من 30 عامًا- وهو يقول أو يتنبأ بأن تحرير فلسطين سيكون في عام 2022 بل إنه يحدد الشهر واليوم كذلك! وهو بلا شك أمر عجيب خاصة أن النصوص من القرآن والسنة لم تحدد لا سنة ولا يوم، وإنما أطلق القرآن والسنة الوعد بالتحرير وعودة الخلافة لأرض بيت المقدس دونما تحديد أوقات معينة.


ونحن بلا شك أمام العاطفة نرى هذا الكلام غيره متحققًا بالأمنيات، نراه واقعًا بالآمال والتطلعات، بل إننا ندعو الله أن يكون الكلام صحيحًا وأن نشهد تحرير فلسطين وزوال هذا الكيان الغاصب عن أرضنا فلسطين؛ هو وكل من ربط نفسه بمصير الاحتلال من أعوان وأذناب وخونة عملاء، ولكن الأمر لا يكون بالأحلام والأمنيات، ولا يكون بالأماني والتطلعات، ومن قديم قال الإمام البنا -رحمه الله-: “ألزِمُوا نَزَوَاتِ العَواطِفِ بِنظرَاتِ العُقُول”.


فتحرير فلسطين وزوال دولة الاحتلال ليس لهوًا ولا لعبًا، وليس حلمًا ولا منامًا، إن الأمر جدٌّ وليس بالهزل، وهناك عشراتٌ من الأسئلة يجب أن تكون مطروحةً على طاولة العاملين في مشروع التحرير، والواجب الآكد أن يكونوا قد أعدوا جوابًا لكل سؤال، وحلًّا لكل مشكلة، وأن يكونوا قد امتلكوا رؤية وتصورًا واضحًا لما بعد التحرير، فالمسألة أكبر مما نتصور وأخطر مما نتوقع، لا أقول هذا مستبعدًا النصر والتحرير -معاذ الله- بل هو واقعٌ شئنا أم أبينا بإذن الله تعالى، لكنني هنا أنبه إخواني على نقاط سريعة:


1/ الحديث عن الغيب بالتفصيل والتحديد لا يليق بأهل العلم، فهذا ضربٌ من الغيب والغيب لا يعلمه على وجه التفصيل إلا الله سبحانه {قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ} ولا يكون الحديث بالتفصيل والتحديد بالسنوات والأيام والأشخاص إلا لنبي وقد انقطع حبل النبوة بعد نبينا محمد -صلى الله عليه وسلم- ولذا لا ينبغي لأهل العلم أن يزوجوا أنفسهم في هاويةٍ مثل هذه فإنها من المُهلكات، خاصة أن المتكلم بالغيب على وجه التفصيل والتحديد متهم بالكذب عند طائفة من العلماء!


2/ إن تنزيل الآيات والأحاديث التي أخبرت عن وقاع الأمة آخر الزمان وإنزالها على واقعة معينة ضربٌ خطير جدًّا، زلَّت فيه أقدام كثير من الناس على مدار التاريخ الإسلامي، ولقد جنَينا كأمة ويلات وويلات من وراء هذا الإفتئات على الغيب والجرأة على النصوص؛ حيث يتم القطع من فلان بأن المقصود بالآية أو الحديث هذا الزمان أو هذه الواقعة أو هذا الشخص، ولكم سالت دماءٌ كثيرة من الأمة طوال التاريخ الإسلامي بسبب منامات اتفقت لبعض الناس فألزمتهم بالخروج على الأمة والمناداة بالبيعة لفلان؛ فكان ما كان من سفك للدماء وإزهاق للأرواح ولا حول ولا قوة إلا بالله، هذا والاتكاء هنا على آيات قرآنية أو أحاديث نبوية، فكيف والاعتماد فيما يُقال ويُشاع هذه الأيام كله مبنيٌّ على أرقام وحسابات لا تلقَ إجماعًا من أهل العلم، ولا قَبولًا من مراكز الفتوى في العالم الإسلامي.


3/ إنَّ ممَّا يُؤْسَفُ له أنَّ فكرة “حِسَاب الْجُمَّل” هذه انتقلت إلى بعض كتب التفسير التي تَقَبَّلَتْهَا دون رَوَّية -وخاصة ما يتعلق بأوائل حروف سور القرآن- يقُولُ د. مُحَمَّدُ أَبُو فراخ مُعَلِّقًا عَلَى هَذَا المسْلَكِ: “وإني لأعجبُ أشدَّ العجب من قومٍ يَعْلَمُون أنَّ الله -تعالى- قد استأثر بعلم الغيوب، ورأَوْا أنَّ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- لم يثبت عنه أنه قال في شيء من ذلك كلامًا صريحًا؛ كيف يشقون على أنفسهم، ويتحملون العناء؛ ليذكروا من هذا ما لا يقبله العقل، ولا يطمئن إليه، فإنَّا لا نسيغ لأنفسنا، ولا نرضى لأحدٍ سوانا أن يخوض في هذا، وفيما أشبه هذا؛ فإن علم ذلك كله عند الله وحده” انظر: فقه أشراط الساعة.


4/ لا يُفهَمُ مِن كَلَامِي السَّابِقِ أنَّنِي أَسْتَبْعِدُ التَّحْرِيْرَ أو أنني أقول بأنه بعيد المنال أو أنه غير واقعي ولن يكون، لا والله الذي خلق الحبه وبرأ النسمة، ليكونن التحرير قريبًا بإذن الله تعالى، ولا يمكن أن يُقبل من جاهل فضلًا عن غيره أن يصل به الحال أن يقول: لن تحرر بلادنا، كيف والله قد وعدنا فقال {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} والرسول -صلى الله عليه وسلم- قد أخبرنا قائلًا: “لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي عَلَى الدِّينِ ظَاهِرِينَ لَعَدُوِّهِمْ قَاهِرِينَ لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَالَفَهُمْ إِلَّا مَا أَصَابَهُمْ مِنْ لَأْوَاءَ حَتَّى يَأْتِيَهُمْ أَمْرُ اللهِ وَهُمْ كَذَلِكَ “. قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ وَأَيْنَ هُمْ؟ قَالَ: ” بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ وَأَكْنَافِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ” رواه الإمام أحمد وهو صحيح.

وأخيرًا:
يعلمُ اللهُ أنَّ قلوبَنَا تتوقُ لتحريرِ بيتِ المَقدسِ الآنَ الآن وليسَ غدًا، وأنَّنا مَع كلِّ مَا يُحركُ القلوبَ ويزيدُ العملَ نحوَ خلاصِ المَسجدِ الأقْصَى مِن يدِ الاحتلال، لكننَّا أبَدًا لَسنَا معَ التوَاكُل ولا الترَاخِي، بلْ نَعملُ فِي الليلِ والنهارِ والأملُ يَحدُونا أنْ نُدركَ النَّصرَ بِأنفُسِنا، فمعَ إفعَامِ النُّفوسِ بِالأمَلِ ومعَ شَحذِهَا بِالبُشرَى غيرَ أنَّنا نُلزمُ أنفسَنَا بِالشَّرعِ والعَقلِ، يقول شيخنا القرضاوي: “وحِسابُ الجُمَّل لَا يَقومُ علَى أساسٍ مَنطقِي، ثمَّ إنَّه مجردُ اصطِلاحٍ منْ جماعةٍ منَ النَّاس، ولكنَّه اصطِلاحٌ تَحكُّميٌّ مَحَض، لَا يَقومُ علَى مَنطقٍ مِن عَقلٍ أَو عِلمٍ، فمَنِ الذي رتَّب الحُروفَ علَى هذا النَّحو: أبجد هوز … أو رتَّبَها علَى نحوٍ آخر، ومَنِ الذِّي جَعلَ لِهذهِ الحُروفِ أَوزَانًا؟ وجعلَهَا أرقَامًا؟ كُلُّ هَذا تَحَكُّمٌ مِن وَاضِعِيه المُصطَلِحين علَيه، ولكنَّ هَذا لَا يُلزِم أحدًا”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى