الدين والحياةدين ودنيا

البنات أقرب أم الأولاد؟

د.وائل الزرد داعية إسلامي


إنَّ مِن أعظمِ نعَمِ الله على الآباء والأمهات أن يُرزقوا بأبناء بررة، يحفظون لهم ودَّهم ويؤدهم لهم حقَّهم ويسمعونهم ما يسرُّهم ويحفظونهم حال كبرِهم، فهم قرةُ العيون ومُهَجُ الأفئدة وسلوى الروح، وكيف لا يكونون كذلك وقد سألهم الأنبياء ورجاهم الأولياء واستوهَبَهُم عبادُ الرحمن {وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا}.


ولأنَّ الأبناء والبنات نعمةٌ كُبرى وعطيةٌ عُظمى رجَاهم نبيُّ الله إبراهيم الخليل بعد كبرٍ أصابه وشيخوخة وصل إليها وكان وصف زوجته بأنها عجوزٌ عقيم {قَالَتْ يَا وَيْلَتَى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ * قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ} ولأن الأمر محط نظرٍ من نبي الله إبراهيم سمَّاها الله له بشرى فقال {إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ} وقال { فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ} وكذلك كانت بشرى لزوجته أيضًا، والبشرى تجيء بانتظار ويعقبها فرح {وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ}.


ولم تمنع الأسباب المادية القاطعة بعدم الانجاب؛ لم تمنع أولياء الله الصادقين من سؤال الولد مع توفر كل الأسباب التي تخبر بيقين بأن الأمر أقرب إلى المستحيل، لكنه الفطرة يا قوم التي تحرق قلب الرجال والنساء الذين لا ولد لهم، الفطرة التي يكتوي بها من حاول وحاول مرة وعشرًا على أن يرزق ولدًا أو بنتًا ولم يقدر له بعد، ونبي الله زكريا -عليه السلام- واحد من هؤلاء فقد اكتوى قلبه بعدم الانجاب ولكنه لم يقطع الرجاء، وإن توفرت سبل اليأس والإحباط مما ذكر هو بنفسه في القرآن الكريم: {بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ} و {وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا} و {وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا} لكنه رغم كل ما سبق بقي يهتف باسم ربه نداءً خفيًّا يقول: {وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا} ويقول {رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ}.


غير أن العبرة بالذرية لا الانجاب فقط وإنما الصلاح والطيبة، فكم من آباء وأمهات أراهم أبناؤهم نجوم الليل في النهار، وجعلوهم يتمنون ألو عاشوا العقم طوال حياتهم دون أن يَروا مثل هؤلاء العاقين الذين عدَّهم القرآن فتنةً ومِنَ الأعداء، فقال {إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ} وقال {وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ} مثل هؤلاء الأبناء والبنات يرهقون الوالدين طغيانًا وكفرًا، ووالله لا خير في ولدٍ أو بنتٍ يشيبون الوالدين قبل المشيب، ولا خير في ولدٍ أو بنتٍ يبغضون الحياة للوالدين، ولا خير في ولد أو بنتٍ يرغمون الوالدين على الدعاء عليهم في الليل والنهار بأن يريحهم الله من هذه الذرية البغيضة التي لا تنفع بل تضر {لَنْ تَنْفَعَكُمْ أَرْحَامُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} ونسأل الله العفو والعافية.


وبالعودة إلى سؤال المقال “البنات أقرب أم الأولاد” أقول:
يرغب كثير من الآباء أن يرزقوا بالذكور رجاء أن يقفوا معهم في معترك الحياة ولأنهم أقدر على تحمل المسؤولية من الإناث، ولأنهم يحملون اسم الأب والعائلة ولأنهم يحومون حول الوالدين في الكبر، ولأنه ينقضي منهم حال زواجهم ولا يبقى البال مشغولًا بهم، ولأنهم -ولأنهم- أسباب كثيرة يخترعها الآباء والأمهات من أجل تفضيل مجيء الذكور قبل أو أكثر من الإناث، وهذا لا يعني بحال أن هذا الصنف من الآباء والأمهات يكرهون مجيء البنات، بل إنهم جاؤوا رحبوا بمجيئهم وفرحوا كذلك، ولكن فرحهم في الغالب بمجيء الذكور أكثر قليلًا أو كثيرًا من الإناث.


ولكن ومع الحياة والتجارب أقول وبكل يقين وصدق: إن مسألة القرب من قلب وروح ووجدان الوالدين لا علاقة لهم بالأبناء سواء كانوا ذكورًا أم إناثًا،
وبصراحةٍ أكثر أقول: من واقع التجارب الحياتية التي يعيشها الناس ونراها نستطيع القول بأن البنات أقرب للوالدين حال كبرهم أكثر بكثير من الأولاد، فكثيرٌ من الأولاد -فطريًّا- تجدهم ينشغلون بإنشاء الأسرة الجديدة ويزداد تفكيرهم في أولادهم كيف يعلموهم ثم يزوجوهم، وفي بناتهم كيف يعلموهم ويزوجوهم كذلك، وهذا بلا شك تجده يأخذ كل وقتهم -هكذا يقولون- أما البنات فسبحان الله يزدادُ حنانُهم وعطفُهم وبرُّهم حين يكبرون ويكبر آباؤهم وأمهاتهم، وبلا شك تجد مثل هذا عند الأولاد، إذِ البرُّ رحمةٌ مهداة ونعمةٌ مُسداة، وسراجٌ منير، وهي حقٌّ آجل لبرٍّ عاجل.


وأنا هنا لا أستطيع أن أجزم أيهما أبَرُّ “الأولاد أم البنات” فكلٌّ على خير، والعبرة بمن صدق وبرَّ واتقى، ولا خير في ولدٍ لا يبر أبويه حال قوتهما ولا يرعاهما حال كبرهما، ولا خير في بنتٍ تعق أبويها حال قوتهما وتقطعهما حال كبرهما، فــــ “الْبِرُّ لَا يَبْلَى وَالْإِثْمُ لَا يُنْسَى وَالدَّيَّانُ لَا يَمُوتُ وَكُنْ كَمَا شِئْتَ كَمَا تَدِينُ تُدَانُ”.
اللهُمَّ ارْزُقْنا بِرَّ أَبنَاءِنَا وَبَناتِنَا حَالَ قُوتِنَا وَضَعفِنَا، وَحَياتِنَا وبَعدَ مَوتِنا، اللهُمَّ اجْعلهْمُ قُرةَ عَينٍ لَنَا في الدُّنيَا وَالآخِرَة، اللهُّم ارْزُق الأَولَادَ مِنهُم: زَوجَاتٍ كَريمَاتٍ ذَواتِ دَينٍ وَخُلقٍ، وارْزُقْ البَنَاتِ مِنهُم: أَزوَاجًا كِرامًا ذَوِي خُلُقٍ وَدِينٍ.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى