الدين والحياةدين ودنيا

متى سيفهمون؟


إنَّ من أبشع الملاحظات على التاريخ الإسلامي بقاء بعض من أطلق عليه اسم “الخليفة” خليفةً طوال حياته، بحيث لا يزول عن كرسي الخلافة والحكم إلا بالانقلاب الدموي والذي من شأنه: إراقة الدماء وإزهاق الأرواح وانتهاك الأعراض، ومزيدًا من تأخر الأمة وتناحرها، والأبشع من هذه الملاحظة بعض الذين جعلوا بقاء الخليفة أو الرئيس على كرسي الحكم -أبد الدهر- أمرًا مقضيًا، وراحوا يهيلون على هذه الآفة الصبغة الشرعية وكأن الله لم يخلق إلا فلانًا للأمة كلها، وكأننا إن مات أو عُزل ماتت الأمة وعُزلت؛ ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.


سُنَّةُ التَّدَافُعِ مَاضِيةٌ، ولَا يَتنَكَّرُ لَهَا إِلَّا صَاحِبُ هَوًى…


يحلو لبعضٍ من هؤلاء أن يستدل بصنيع الخلفاء الراشدين الأربعة -رضي الله عنهم- ويقول: فهؤلاء هم خيرةُ الأمة بعد نبيها ظلَّ أحدُهم خليفة في كرسي الحكم حتى لحق بالرفيق الأعلى، فلماذا تنكرون علينا البقاء في كراسي القرار وعروش الحكم؟ وأقولُ لهؤلاءِ علَى عجلٍ ودونَ تلكؤٍ: يا هؤلاء ومن منكم مثل “أبي بكر أو عمر أو عثمان أو علي”؟ كونوا مثل هؤلاء أو نصفهم ثم تكلموا وطالبوا بما تريدون.


خَطِيئَةُ الفَهمِ: الإسْلَامُ شَيءٌ وَالتَّارِيخُ شَيٌء آخَرُ…


من الخطايا الكبرى في الفكر الإسلامي: جعل بعضهم التطبيق الفعلي للخلفاء أو لمن بعدهم هو الإسلام، ونقول هنا بكل صراحة ويقين: إن الإسلام شيء والتطبيق الفعلي العملي لهذا أو ذاك شيء آخر، فالإسلام حقٌّ كله، وعدلٌ كله، ورحمةٌ كله، بينما التطبيق العملي للخلفاء على مدار التاريخ لم يوصف أحدهم: بالعدل المطلق أو الحق المطلق، ولم يدَّعِ واحد من خلفاء الأمة -إلَّا مَنْ شَذَّ- أنه معصوم أو أنه مكتوب له في اللوح المحفوظ: خليفة للأمة أبد الدهر، غير أن كل هؤلاء كانوا يدَّعون أنهم أحق مِن غيرهم بكرسي الخلافة وعرش الحكم لأسبابٍ لا تصح دينًا ولا عُرفًا ولا عقلًا.
يُنَادِي الشَّبَابُ وَلَا مُجِيب…


مساكين هم الشباب ينادون في كل صباح ومساء على كل القابضين على كرسي الحكم والمتربعين على سدة الحكم قائلين: من حقنا المشاركة في إدارة شؤون حياتنا فنحن أدرى منكم بما ينفعنا، فزمانكم ليس كزماننا، وأنتم ما نزلتم من السماء ولا ولدتم معصومين وليس لكم مددٌ من الملائكة مكرمين، فأنت بشرٌ مثلنا اكتسبتم الخبرة بالتجربة والخطأ والصواب، فإلى متى ستبقون تقررون في مصيرنا ومصير أجيالنا القادمة؟ أليس من حقنا أن نشارك في صياغة خارطة حياتنا؟ أليس من حقنا أن نشارك في تقرير مصيرنا؟ أليس من حقنا أن نخطأ كما أخطأتم ونصيب كما أصبتم؟ أليس من حقنا أن نتحمل نتيجة ما نقرر تجاه حياتنا وحياة أبناءنا؟ ثم إلى متى ستظلون تروننا صغارًا نحتاج إلى حكمة وخبرة وتجربة؟ وهل يمكن أن نكتسب -ما تطلبون- ونحن في مهد التلقي وحضانة التسليم؟!
أَينَ رُؤَسَاءُ أَكبَرِ دَولَةٍ فِي العَالَم؟


وأثناء كتابة هذا المقال وقعت عيني على صورة لأكبر دولة في العالم وهي أمريكا، والصورة تضم عدة رؤساء لأمريكا: “جيم كارتر، وجورج بوش الأب، وجورج بوش الابن، وكلنتون، وأوباما” وهي صورة نادرة الوجود في عالمنا العربي والإسلامي، والغريب في الأمر أن هؤلاء جميعًا تقلدوا زمام الحكم سنوات ثم انصرفوا عن الكرسي وعادوا لحياتهم الطبيعية وكأن شيئًا لم يكن، وراحوا يجتمعون دون عداوة ولا بغضاء، ولم ينصرفوا عن الكرسي بحرب طاحنة ولا بانقلاب دموي -أعلم يقينًا أن الصورة ليست كلها كما في الصورة- وأقول في نفسي: ألَسنَا أَحقُّ بِإقرَارِ سُنَّةِ التَّدَافُعِ وتَركِ المَجَالِ للأجْيَال؟


لَا تَجعَلُونَا نَنْتَظِرُ مَوتَكُم…

هذا لسان حال كثير من الشباب يتهامسون: لن يكون لنا مجالٌ للمشاركة في صياغة قرار حياتنا إلا بعد موت الحاضرين من أصحاب القرار، والله يعلم أننا نحبكم ونرجو الخير لكم، وأنتم أعلى منزلةً عند الله منا فأنتم من ضحَّى وقدَّم بذَل ولم نكن موجودين، وليس الأول كالآخر و {لَا يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ ۚ أُولَٰئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ الَّذِينَ أَنفَقُوا مِن بَعْدُ وَقَاتَلُوا} ومع هذا نقول: لقد كبرَ الصغارُ وما عادُو صغارًا، وما عادَ الطلابُ طلابًا لقد أصبحُوا أساتذةً، وما عادَ الأبناءُ أبناءً لقد غدَوا آباءً، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ ۖ وَإِذَا قِيلَ انشُزُوا فَانشُزُوا…}
إنَّ سُنةَ التَّدافُعِ بَينَ الأَجيَالِ تَقتَضِي أنْ يَفهمَ أصحَابُ القَرارِ التَّاريِخيينَ أنَّهم مُجبَرُون علَى إشراكِ الأجيَالِ فِي صِناعَة وصياغَة مستقبلِهم، وعَليهِم ألَّا يَرسُموا لكُل الأجيَال مُستقبَلًا لَا يَعيشُونه فَهُم الآنَ فِي أيَّامِهم الأخِيرةِ، وغيرُهم منَ الشَّبابِ والأجيَالِ الصَّاعدةِ لا زَالُوا فِي أيَّامِهم الأُولَى مِن حيَاتِهم، فَمَتَى سَيفْهَمُون؟ مَتَى سَيَفهَمُون؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى