الدين والحياةدين ودنيا

مَا أَحْلَى الأَيَّامِ الأُوْلَى…

د. وائل الزرد داعية إسلامي


كثيرًا ما تتردد هذه العبارة على ألسنة كبار السن، ولا أقصد بكبار السن من تجاوز الستين والسبعين، لأننا بتنا نسعمها كثيرًا ممن لم يتجاوز بعد الخمسين عامًا، وما ذاك إلا لحلاوة تلك الأيام الخوالي التي كان ذاك الجيل يعيش فيها على الفطرة دون تلوث، وعلى البراءة دون خبث، وللأسف كلما تقدمت الأيام خفتت حلاوة الأيام السابقة ولم يبق منها إلا الذكريات …


والحنان للأيام الخوالي ليس عيبًا ولا حرامًا، وهو كذلك ليس خاصًّا بالمقصرين أو المفرطين من بني آدم، بل إن الصالحين من الناس يحنون للأيام الأولى من التزامهم يوم أن كانت فطرتهم سليمة وقلوبهم نقية ودموعهم قريبة، ورحم الله أحدَهم يوم أن رأى شابًّا يبكي في الصلاة فقال: “هَكَذَا كُنَّا ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُنَا”.
إنه الشوقُ الجميلُ والحنينُ الأجملُ لذكرياتٍ كانَ الناسُ فيها على الفطرةِ السليمةِ وعلى البراءةِ الأصليةِ، لا يتذكرونها هروبًا من الحاضرِ ولا فرارًا من المسؤولياتِ وإنما يتذكرونَ تلك الأيام لجمال أهلها وحلاوة مواقفها، فيضفي عليهم هذا التذكر شوقًا عجيبًا لكل ما هو جميل، وحنانًا أعجب لكل ما هو طيب كريم، إنه الحنين للأيام الجميلة والشوق للذكريات الحلوة.


أيام الطفولة والشباب الأولى، أيام الفرح واللعب واللهو البريء، أيام التشاكس والتسامح الفوري دون حملٍ لغلٍ أو حقدٍ، أيام تقاسم الأكل والشرب وما كان يسميه الناس “أم الغديوة” ما أجمله من فعل حين كان يضع كل واحد ما معه من طعام على طاولة واحدة ثم نأكل معًا من كل ما تم جلبه من البيوت من الأمهات الكريمات، الأيام الحلوة ما أحلاها.


ولا زلت أذكر الأيام الأولى لي في العمل الدعوي في المسجد العمري الكبير، تلك الأيام التي لن يجيء أيام أجمل منها، يومها كان الشباب يجتمعون على الخير والمعروف، ويتعاونون على البر والتقوى، يومها كان الكل يتقدم للعمل الدعوي ولخدمة الناس دون نظر لألقاب أو انتظار لمكافآت أو تطلع لوظائف، يومها كانت لقاءتنا تدوم ساعات طوال ونحن نقرأ في كتاب “رسالة المسترشدين” فنزداد إيمانًا وأدبًا وأخلاقًا، يومها كان الشباب يأتون لحضور مجالس العلم ولقاءات الإيمان من كل مكان في غزة، يومها كنا نحب بعضنا أكثر، ونحترم بعضنا أكثر، ونشتاق لبعضنا أكثر، يومها كنا ننتظر قدوم شهر رمضان قبل قدومه بأشهر، ونشتغل فيه أكثر من غيره،،،
يَاه مَا أَحْلَى الأَيَّامِ الأُوْلَى…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى