الدين والحياةدين ودنيا

يَشتركون في الذهاب إلى النار

بقلم: د. وائل الزرد داعية إسلامي


يأتيني بين الحين والآخر بعض الأبناء أو البنات يشكون من مصيبة وقع فيها والدُهم، وذلك أنه اتفق مع بعض أولاده بأن يكون لهم الميراثُ من بعده وبأن هذا الأمر قد تمَّ قبل موت الوالد وشهد عليه بعض شُهَّاد الزور وتمَّ توثيق ذلك عند محامٍ يعلم الأمر ولكنه بلا دينٍ ولا ضمير، وتمَّ إيداع هذا الاتفاق عند واحدٍ من معارف الوالد أو عند بعض المشاركين في الحرام من الأولاد.

وأنا والله أستغرب ممن يشتري النارَ بماله، يعني يدفع مالًا من أجل أن يذهب إلى النار، ويفعل ذلك في سبيل مرضاة أولاده ولا ينظر أبدًا لمرضاة الله، يفعل ذلك لئلا يذهب الميراثُ خارج حاملي اسمه بعد موته، ويظن هذا الوالدُ أنه يفعل ذلك تحقيقًا لمصلحة أولاده، وكأن بناته ليسوا من لحمه ولا من دمه، وكأنهم من بنات الجيران وكأنهم من نسلٍ آخر، فهو يخشى أن يذهب ميراثُه لزوج ابنته بعد موته وبذلك يستفيد منه غيرُ حاملي اسمه واسم عائلته، وبئس هذا التفكير الجاهلي الذي لا علاقة له بالإسلام.

يتصل بي رجل كريم ويطلب مني مشاورةً في مسألة مشابهة، فأقول تفضل فيقول: اتفق والد زوجتي مع أولاده قبل موته على أن يكتب كلَّ الميراث وهو كثير باسم أولاده مع حرامان البنات، فوافقوا بل هم الذين طلبوا ووافق الأب على ذلك آثمًا، ووثقوا هذا المعاملة الآثمة عند محامٍ اشترك معهم في الإثم بعلمه المسبق بالجريمة ولم يأمرهم ولم ينهاهم، ثم حتى تكتمل المسرحية جيء بشُهَّاد الزور فشهدوا تحت الترغيب بالدولار والطلب بالكتم، وهكذا انتهت فصولُ الجريمة وظنَّ شركاءُ الإثم أن الأمر قد كُتم وانتهى.

ولكن يأبى الله إلا أن يظهر الأمر رغمَ أنف الآثمين، يضطر الأبناءُ لطلب توقيع البنات على أنهن متنازلات وأن الوالد كان قد باع الأولاد في حال حياتهم، ويبدأ الإخوة الآثمون بالترغيب بدوام الصلة والترهيب بالقطيعة لأخواتهم، ويظن البنات أنه من الواجب -إبقاءً للصلة- أن يوافقن لإخوانهن، وإبقاء على أواصر الصلة بين الجميع.
يَشتَرِكُونَ فِي الذَّهَابِ إلَى النَّار …

هؤلاء جميعًا ابتداءً من الوالد الذي يتولى كِبَرَ الإثم ومرورًا بالأولاد الذين أغرَوا بأبيهم وصولًا إلى محامي البُهتان وشهَّاد الزور، وانتهاءً بالبنات اللاتي يبدين الموافقة الأولية على التوقيع لأخواتهن رغبةً في إبقاء الصلة وخوفًا من القطيعة كما قيل لهن، وإلى هؤلاء جميعًا أقول خاصًّا بالذكر البنات اللاتي يخفن من القطيعة ويرغبن بالوصل:

إن الواجب عليكنَّ المبادرة إلى انتشال والدكم من النار لا أن توافقوا على بقاءه فيها -والله أعلم- فإن والدكم بفعلته الآثمة قد اشترى النارَ بمالِه ودفع ثمنَ بقاءه في النار من حُرِّ ماله، عندما وافق على حرمان بناته ما كتب الله لهن من الميراث، واستحق أن يأكل في بطنه نارًا ويصلى سعيرًا {إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا} .

فقد جاءت الفرصة للبنات أن ينشلن والدَهن من النار وما فيها من جحيم مقيم، بل وأن يوقفن أخواتهن عن المضي في طريق أكل الميراث وابتلاع الحرام.

لقد أعطَى اللهُ كلَّ ذي حقٍّ حقَّه فَ “لَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ” وما على صاحب المال إلا أن يموت وليترك ورثته يقتسمون ما يسَّر الله من ميراث لهم بعد موته حسب ما شرع الله للجميع في القرآن، وإن كان صاحبُ المال يريد أن تكون له وصية فلا عليه إلا أن يؤكد على أن يقتسم ورثتُه مالَه وفقَ شريعة الله المطهرة.

فوصيته تأكيد للمؤكد لا غير، وليذهب هو إلى الآخرة بسلام دون أن يقترب من الحقوق التي قسَّمها الله بعده، فإن من وصايا القرآن الكريم {وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحسَن} فإن الاقتراب من أموال اليتامى من المُوبقات المُهلكات، وفي الحديث يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: “اجتَنِبُوا السَّبعَ المُوبِقَاتِ…. ومنها: وأَكْلُ مَالِ اليَتِيمِ” رواه البخاري ومسلم. فَلَا تَذهَبُوا إلَى النَّارِ مُوافِقينَ مِطوَاعينَ فَاليَومَ دُنيَا وَغدًا آخِرَة، واللهُ المَوعد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى