كتاب الثريامدونات الثريا

العدل والظلم وقانون النسبية

كتب : عماد عفانة


من حكمه الله سبحانه وتعالى أن خلق كل شيء في الكون ونقيضه، فخلق الليل والنهار، النور والظلام، الجهل والعلم، الجنة والنار، اللباقة والفظاظة، الكبير والصغير، الظل والحرور، الضحك والبكاء.

فقال تعالى: وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى، وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا، وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى، وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنَى وَأَقْنَى.

وعلة هذه الحكمة إدراك حقيقة هذه الأشياء، فلا إدراك للنهار لولا الليل، ولا إدراك للعدل لولا الظلم، ولا إدراك للحزن لولا السعادة، وهكذا باقي الأشياء.

ومن حكمة خلق الله تعالى أن يجتمع في الانسان الشيء ونقيضه، فالإنسان يبكي ويضحك، يعدل ويظلم، يعشق النور ويحتاج الظلام، يعلم ويجهل، يحلم ويغضب، وهكذا باقي الأشياء، لأن علة النقص موجودة في ذات خلق الانسان، لأن الكمال اختص الله تعالى بها نفسه جلا وعلا.

لذلك فليس من الانصاف نفي أي صفة من صفات النقص عن الانسان سواء فرد أو جماعات، بحجة حبنا او انحيازنا له.

وبما أنه لا شيء مطلق، فان الأشياء تخضع لقانون النسبية، فما قد يبدو لك جميلا قد يبدو بالنسبة لغيرك بشعا، وما قد يبدو لك كبيرا قد يبدو بالنسبة لغيرك صغيرا، وما قد يبدو لك عدلا قد يبدو بالنسبة لغيرك ظلما، وما قد يبدو لك لباقة ولياقة ورقي قد يبدو بالنسبة لغيرك غلظة وفظاظة، وهكذا باقي الأشياء، نظرا لخضوعها لقانون النسبية التي تتحكم فيها زاوية النظر.

فعندما تنسب أي صفة لشخص أو جماعة بالسلب أو الايجاب، فليس من الحصافة أن يجتهد آخرون في نفيها حبا أو انحيازا، بل يجب مراعاة زاوية النظر التي بررت إضفاء هذه الصفة على هذا الشخص أو هذه الجماعة.

فقد يبدو شخص أو جماعة لك في قمة العدل والانصاف كونك حصلت منه او منهم على تعتبره حق لك، فيما قد يبدو ذات الشخص أو الجماعة بالنسبة لغيرك في قمة الظلم نظرا لكونه لم يحصل على ما يعتقد أنه حق له.

وبما أنه لا عدل مطلق، ولا انصاف مطلق ولا ظلم مطلق كذلك، فليس من العدل النظر بسلبية لمن يطلق صفة الظلم على ما تعتبره عادلا، أو لمن يطلق صفة خيانة الأمانة على من قد تعتبره نزيها نظيف اليد.

وهكذا هي الحياة، وهكذا هو الانسان، يجتمع فيه الشيء ونقيضه.
فالنسبة لي مثلا أرى أن هناك أشخاص في قمة قيادة فصائلنا ظالمون، وهم ذاتهم في نظر آخرين في قمة العدل.

وأرى أن هناك أشخاص في قمة الهيئات القضائية في فصائلنا ظالمون، وهم ذاتهم في نظر آخرين في قمة العدل.

فكما لا يجب أن نوجه اللوم لمن يراهم بالنسبة له في قمة العدل، لا يجب كذلك أن نوجه اللوم لمن يراهم بالنسبة له ظالمين، فالعدل المطلق لله تعالى وحده، أما الانسان فقد خلق ناقصا، فقد يعدل ويظلم، يُنصف ويجور، يسمع ويُعرض وهكذا.

اللهم إن لك عبادا، قد وليتهم أمرنا وقد آتيتهم قوة وقدرة، وقد استعملوا قدرتهم وقوتهم في ظلمنا، اللهم فأرنا فيهم قدرتك وقوتك يا عظيم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى