الدين والحياةدين ودنيا

بهذا أصبحَ نبيُّ الله إبراهيم خليلَ الرحمن

كنت د. وائل الزرد داعية إسلامي


الأنبياءُ أكرمُ الخلق على الله وأقربُهم إليه سبحانه وتعالى، ولو اجتمع الخلقُ جميعًا بأوليائهم وصالحيهم ما بلغوا درجة النبوة، فهم الذين اصطفاهم الله واختارهم لنفسه واصطنعهم على عينه {إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ} وهم الذين أنعم الله عليهم بالنبوة والرسالة دون غيرهم {أُولَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا } وقد جعل الله من إيماننا به أن نؤمن بكل الأنبياء دون أن نفرق بين أحدٍ منهم وقال الله ذلك على لسان المؤمنين الصادقين {كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ} وأخبرنا الله في كتابه أن الذين يفرقون بينه وبين رسله بأن لهم عذابًا مهينًا {أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا} أمَّا الذين آمنوا {بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ أُولَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا}.

فضَّل اللهُ بعضَهم على بعض:
ومع إيماننا بهم جميعًا دون تفرقة غير أننا كذلك نؤمن بأن الله رفع بعضَهم فوقَ بعضٍ درجات، وفضَّل بعضَهم على بعضٍ فقالَ {تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ} فقد اصطفى من الأنبياء الرسل، ومن الرسل أولي العزم، ومن أولي العزم سيدنا محمدًا -صلى الله عليه وسلم- فعَن وَاثِلَةَ بْنِ الْأَسْقَعِ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: “إِنَّ اللهَ اصْطَفَى كِنَانَةَ مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ، وَاصْطَفَى قُرَيْشًا مِنْ كِنَانَةَ، وَاصْطَفَى مِنْ قُرَيْشٍ بَنِي هَاشِمٍ، وَاصْطَفَانِي مِنْ بَنِي هَاشِمٍ” رواه مسلم في صحيحه: 2276

أمرٌ عامٌّ بالاقتداء بالأنبياء، وآخرُ خاصٌّ لإبراهيم:
في القرآن الكريم أمر الله المؤمنين أن يتأسَوا بالأنبياء جميعًا -وهم أهلٌ لذلك- فبعدما ذكر في سورة الأنعام: “إِبْرَاهِيمَ، وإِسْحَاقَ، ونُوحًا، ودَاوُودَ، وَسُلَيْمَانَ، وَأَيُّوبَ، وَيُوسُفَ، وَمُوسَى، وَهَارُونَ، وَزَكَرِيَّا، وَيَحْيَى، وَعِيسَى، وَإِلْيَاسَ، وَإِسْمَاعِيلَ، وَالْيَسَعَ، وَيُونُسَ، وَلُوطًا” قال {أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ} وهذا أمرٌ عام بالاقتداء بهم، غير أن هناك نبيين جاء في حقهما أمرٌ خاص؛ وهما نبي الله يونس والآخر إبراهيم -عليهما السلام- أما نبي الله يونس فقد نُهِي النبي -صلى الله عليه وسلم- أن يكون مثله في موقفه من ترك قومه دون أذنٍ من الله، قال الله سبحانه {فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ} أما نبي الله إبراهيم -عليه السلام- فقد جاء الأمر الخاص بالاقتداء به لنبينا محمد -صلى الله عليهما وسلم- فقال {ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ}.

ولكن بماذا أصبح إبراهيمُ خليلَ الرحمن؟
إن الناظر في سيرة نبي الله إبراهيم -عليه السلام- يجدُ عجبًا، حيث الهمةُ العالية والعزيمةُ الصادقة والإرادةُ القوية، فمنذ صغره ويوم أن قال عنه القائلون {سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ} وهو واقف بكل فتوة الشباب أمام الطغاة والمستبدين من قومه وبما فيهم أبيه، حيث ما تواني أن يجهر بالتوحيد والبراءة من الأوثان والأنداد وكل ما يعبد من دون الله -وقد كان وحده- دون نصير، وكان صلبًا في الحق قويًّا في الدعوة واضحًا في الدعوة فقال {أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكُمْ شَيْئًا وَلَا يَضُرُّكُمْ * أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ}.

  1. جهرَ بالدعوة ولم يَعبأ بما يكون، ووقف أمام الطغاة والمستبدين ممن نُكست فطرتهم وتدنست عقولهم، وجهر أمامهم بأنهم عدوٌ لكل هذه الأصنام والأنداد، وأنه لا يوالي إلا الله ولو كان ما كان، وبدون رحمة اجتمع الطغاة وقرروا أن يحرقوه في النار، وعرَّوه من ملابسه ليكون أول من عُرِّيَ في سبيل الله ثم أُلقي في النار وهو يردد: “حُسْبُنا اللهُ ونِعمَ الوَكِيل” فكان الله له نعم الحسيب والوكيل وعلى الفور قال الله “يَا نَارُ كُونِي بَردًا وسَلَامًا عَلَى إبرَاهِيم”.
  2. وقف أمامَ الظالم مُحاجِجًا بكل قوة، ولم يخف من جبروت الظالم ولا من طغيان الزبانية بل جادل عن الله بكل قوة، ودافع عن عقيدته بكل جرأة، وصرخ في وجه الظالم وفي وجه كل ظالم {فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ}.
  3. أُمرَ بتركِ الأهل بوادٍ غير ذي زرعٍ ففعلَ، ولم يتردد بل مضى حين أمره الله أن يأخذ زوجته وولدَها الصغير ليجعلهما هناك في وادٍ غير زرعٍ -حياة- وليعود قافلًا وهو يناجي ربَّه بقلبه قائلًا {رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ} وعاد قافلًا إلى حيث أمره الله، ولم يعبأ بترك زوجته وولده في هذه الصحراء القاحلة التي لا جنَّ فيها ولا إنس، وزوجته المسكينة تقول له “آللَّهُ أَمَرَكَ بِهَذَا؟ فيقُولُ: نَعَمْ، قَالَتْ: إِذًا لَا يُضَيِّعُنَا”.
  4. أمرَ بذبح الولد -مهجة القلب- فاستعد، وهذا وربِّ الكعبة هو البلاء المبين، حيث أُوري إبراهيم في منامه أنه يذبح ولده بنفسه، ويتكرر المشهد معه كلما نام؛ فهو يقول {إنِّي أَرَى} ولم يقل إني رأيت وفقط، والأمر أصعب من أن يتصور، غير أن المأمور هنا إبراهيم وليس غيره {افْعَلْ مَا تُؤْمَرْ} هو إذًا العبد المأمور واللهُ هو الآمر سبحانه وتعالى، وما كان من إبراهيم إلا أن استجاب هو وولده إسماعيل {أَسْلَمَا} فنزع عن ولده القميصَ، ثم قيَّد يديه، وشحذَ سكينه، وتلَّ ولده للجبين معلنًا استعداده التام لتنفيذ أمر به؛ فهو الذي {جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ}.

وأخيرًا …
بعد كل ما سبق أمر الله نبينَا محمدًا -صلى الله عليه وسلم- قائلًا {ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا} ذلك لأنه أمَّة وحده {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} وامتد الأمر لنا كأمة مسلمة {فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا} وعلى إثر هذه التضحيات الجسام التي تقدم بها نبي الله إبراهيم -عليه السلام- قال الله {وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا} وتخليدًا لذكراه وإبقاءً لذكره ولكي يجعل له لسان {صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ} أُمرنا في الصلاة أن نقول دومًا: “اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَآلِ إِبْرَاهِيمَ، وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ، كَمَا بَارَكْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ، إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ”.

فهل عرفتم الآن كيف أصبح النبيُّ إبراهيمُ خليلَ الرحمن؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى