دين ودنيا

الصورة ليست سوداوية …

بقلم: د. وائل الزرد داعية إسلامي

بين الحين والآخر نجلس مع بعض الشباب فنجدهم قد قاربوا على اليأس وهم على حافة الإحباط، قد أصبح بعضُهم مستقرًا للمصائب ومستودعًا للهموم، اجتمعت عليه من كل حدبٍ وصوبٍ فكادت أن تقتله لولا بقايا ما حوله من بيئة مجاهدة تعمل دون كلل أو ملل، تواصل الليل بالنهار صناعةً وتطويرًا وتجريبًا، ولولا بقية من دعاة خير لا زالوا متشبثين بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ما استطاعوا إلى ذلك سبيلًا.

وقد ساهم في اسوداد نظرة هذا الصنف من الشباب التضخيم المتعمد لما يراه من مشاكل في البلد وسوء إدارة في بعض الملفات هنا وهناك، مع قلةٍ وعيٍ وعلمٍ أحيانًا وفقدانٍ للمعلومة أحيانًا أخرى، ولست هنا -من البداية- أدافع عن خطأ إداري ولا أبرر لفساد مالي وإنما أحاول أن أقول للشبابِ الحُرِّ الأَبِي الكَريم: لَو خَلَت البِلادُ مِنَ النَّاصِحين لاستَحَقَّ أهلهَا العَذاب، ولَو كَثرَ الخَبثُ لهَلكَ الصَّالحُون قبلَ غيرِهم، وفي الحديث: قَالَتْ زَيْنَبُ بِنْتُ جَحْشٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ: أَنَهْلِكُ وَفِينَا الصَّالِحُونَ؟ قَالَ: “نَعَمْ إِذَا كَثُرَ الخَبَثُ” صحيح البخاري حديث رقم 3346

يا شبابُ:

أحبكم وربِّ الكعبة وإني والله أرى فيكم جيلًا كريمًا عزيزًا شهمًا، لا يضيق صدرُه إلا مما يغضب الله، ولا يتكدر مزاجُه إلا حين تنتهك محارمُ الله، فأكرِم بكم من شباب وأنعِم بكم من شباب، وحبي لكم هو الذي يدفعني لنصيحتكم والحديث معكم، وما وجودُكم ووجودي ووجود غيرنا من العاملين في حقل الدعوة الإسلامية إلا دليلٌ على أن هذه الأمة ما ماتت، وأن الدعوة لا زالت بخير، وأننا مستمرون في طريق الحق والقوة والحرية وسنصل لمرادنا بإذن الله -تعالى- من تحكيم شريعة الله فوق أرضنا المباركة بعد تحريرها قريبًا.

يا شبابُ:

لا تسمعوا للبائسين المُحِبطين الذين راحوا يلوون أعناقَ الآيات لتخدم يأسَهم وإحباطَهم ويلوون أعناقَ الأحاديث لتبرر عجزَهم وخمولَهم، فالآيات والأحاديث التي تتكلم عن الفتن واعتزالها إنما تُساق للضِّعاف ولمن لا يقوى على صناعة الحياة ولمن لا يقوى على مواجهة التيار ولا السباحة ضد الموج، إنما تُساق لتناسب ضعفَ البعض، ومثلُ هؤلاء البائسين اليائسين المُحبَطين -والله- لن يُعيدوا للأمة مجدًا ولن يبنوا للأمة عزًّا ولن يشيدوا للأمة حضارةً، إن غايةَ أحدِهم أن يقول: “لَيسَ لَنا إلا أنْ نَنتظِر … المَوتَ أو المَهديَّ المُنتَظر” لأنَّهم أَقنَعُوا أنفُسَهم بِعبارة أحدِهم: “آهٍ لو يُجدي الكلام … ماتت الأمةُ والسلام!”

إن الذين يحلو لهم التندر بمصائب الأمة ومشاكل المجتمعات وهم جالسون على آرائِكهم لا يأمرون بمعروف ولا ينهون عن منكر، هؤلاء من أهلكِ الناس بل هم يشاركون في هلاك الأمة ولهم نصيب من الإثم على عجزهم وخورهم ورضاهم بالدون، لهم نصيب من الإثم على سكوتهم وخمولهم وعدم خوضهم لمعارك التدافع بين الحق والباطل، لهم نصيب من الإثم كونهم ما شاركوا في مسيرة الإصلاح وفي الحديث عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رضي الله عنه- أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: “إِذَا قَالَ الرَّجُلُ: هَلَكَ النَّاسُ فَهُوَ أَهْلَكُهُمْ” رواه مسلم: 2623.

وأقول لكم ومن واقع الوجود العلمي والعملي داخل حقل الدعوة الإسلامية:

لم يكثُرِ الخَبثُ ولم يفشُ المُنكرُ ولم ينتشرُ الشرُّ ولم يسيطرِ الحرامُ ولم يندثرُ الحلالُ، لم يسكتِ الدعاة ولم يخرس العلماء ولم يتوقف الآمرون بالمعروف ولم يتراجع الناهون عن المنكر، لم تغلق أبواب المساجد ولم تطوَ سجَّادات الصلاة ولم تنقطع مسبحة الذكر ولم يُعزف عن القرآن، بل بفضل الله -تعالى- لا زال العلماءُ والدعاةُ يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وينصحون للقريب والبعيد، لا زال القرآنُ يتلى صباح مساء ولا زالت الصلواتُ تقام في اليوم والليلة، ولا زالت مجالسُ العلم تكثُر يومًا بعد يوم ولا زال الخيرُ ينتشر والحلالُ يفشو والمعروف يُعَمَّم.

فبفضل الله سبحانه دورات تعليم القرآن -تلاوةً وسندًا وقراءاتٍ- يُقبل عليها الناس في الليل والنهار بأكثر من أي وقت مضى، حفظ القرآن يكثر ويزداد حتى بِتنا نشاهد قراءة القرآن كله كاملًا على جلسة واحدة ومن عددٍ كبير، بالإضافة إلى دورات السنة النبوية ومجالس العلم المنتشرة وحلقات التعليم في المساجد، هذا بجانب عدد المساجد الكبير التي بُنيت واستقبلت عشرات ومئات المصلين الجدد، بالإضافة إلى انتشار الدعاة في كل مكان وفي كل زمان دون أن يُغلق في وجههم باب أو يقف دونهم حجاب.

ويأمرون بالمعروف بكل قوة دون أن يوقفوا من أحد، وينهون عن المنكر دون أن يُراجعوا من أحد، لهم حرية التعبير وحرية الأمر وحرية النهي، ولكم وقف من منكر أطلَّ برأسه من قبل بعض الناس، وكم أُحيي من معروف كاد أن يُفقد لولا ألسنة العلماء والدعاة، فالخمر والمخدرات والعمالة والجريمة بأنواعها كل هذا ملاحقٌ ومرصودٌ ومتابعٌ -قدر الاستطاعة- هذا مع حروب متتالية وحصار ظالم وملاحقة فاجرة ومقاطعة آثمة وأيادٍ خبيثة خفية تعيث فسادًا، ولكن بفضل الله سبحانه وتعالى يبقى الخير موجودًا ويقوى ويكثر ويزداد،،،

فَالصُّورَةُ لَيْسَتْ سَوْدَاوِيَّةً …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى