دين ودنيا

مُتخاصمان في الصلاة

كتب د. وائل الزرد داعية إسلامي

دخلتُ مسجدًا لأخطب الجمعة وإذا بشاب يقول لي سرًّا: “يا شيخ بالله عليك تخطب عن الإصلاح وأنَّ خيرَ الناس هو الذي يبدأ بالسلام” قلت له: سأفعل ولكن في الخطبة الثانية، وفعلًا بعد انتهائي من الخطبة الأولى عرَّجت في الخطبة الثانية عن وجوب إصلاح ذات البين وحرمة بقاء القلوب متنافرة وكان الكلام مقتضبًا سريعًا، وقد بقي في خاطري أن أسأل الشاب ما السبب وراء طلبه مني أن أخطب عن ذلك وفعلًا بقي الشاب ينتظرني حتى انتهاء الصلاة ثم بادرتُه حين سلَّم عليَّ قائلًا: لم طلبتَ مني ذلك؟ فصدمني قائلًا: “يَا شَيخُ يُوجدُ فِي المَسجدِ -أَخَوَان- لَا يُكَلِّمَانِ بَعضَهُمَا مِن 10 سَنواتٍ وهُمَا يُصليَانِ فَي الصَّفِّ الأَولِ كُلَّ صَلاةٍ فِي المَسْجِد“.

وما أن سمعتُ هذه الكلمات حتى تركتُ الشاب ومضيتُ وحدي لا أدري ما أقول، وأخذتُ أتمتم بنفسي ولنفسي قائلًا: “لَا حَولَ وَلَا قُوةَ إِلا بِالله”، وهل يُعقل أن يبقى هذان المسلمان في خصومة تدوم 10 سنوات وهما: أخوان، ويصليان في الصف الأول في المسجد؟ أما سمعنا من نصح وذكَّر؛ أما سمعا من أمر ونهى؛ أما سمعا من رغَّب ورهَّب؟ ثم كيف استساغا أن يبقيا طوال هذه الفترة دون أن يكلما بعضهما البعض؟ بل كيف رضيا أن تمر عليهم أيامٌ وليالٍ وهما طاويان على الغل والحقد والحسد؟

وبِكُلِّ صَرَاحَةٍ أَقُولُ: قد وقع بيني وبين أحد الكرام خلافٌ ويعلم الله أنني كنت على حق ولم أخطئ في حق الرجل، لكن نزغ الشطان بيني وبينه فجنح الرجل إلى الخصام؛ وبدا له أن يمتنع عن الكلام معي -مع أنه يصلي معي في المسجد- وصرت إن مشيت مثلًا ورأيته أتمهل حتى يصل إلي فنمشي معًا ولكنه يتباطأ في المشي حتى لا يصلني، وأحيانًا يتناسب أن آتي المسجد فأتقابل معه على باب المسجد فيتأخر عني حتى لا نلتقي على باب المسجد فندخل سويًّا، وإذا قمت لأتكلم أو أُلقي موعظة يقوم الرجل مسرعًا مغضبًا؛ وأنا أقول في نفسي: “واللهِ ما أخطأتُ في حقه طرفة عين” فلماذا هذا الجفاء وهذا البعد؟

والعجيب: أنني بعد مدة قصيرة لم أحتمل هذا الجو المشحون فترصدتُ للرجل بعد الصلاة حتى إذا أراد أن يخرج قابلته ولم يجد بُدًّا من التراجع وبادرتُه قائلًا: يا رجل إلى متى هذا الخصام والجفاء؟ فقال لي: يا أخي والله أنا أنتظرك من يومها لتأتي إليَّ وينتهي كل شيء!

فقلت: لعنَ اللهُ الشيطانَ الذي نزغ بيني وبينك وها قد جئتُك فهل انتهى كل شيء؟ قال: نعم.

هكذا بكل بساطة انتهى كل شيء سيء وانتهى الخِصام ومُرِّغ أنف الشيطان وأغظناه سائر اليوم؛ وراح يُعَفِّرُ وجهَه في التراب لذهاب جهده أدراج الرياح، وعادت الأمور إلى مجاريها فالصلحُ خير واللهُ غفورٌ رحيم.

إنَّ الخِصامَ وفسادَ ذات البَين يَحلق الدين ولا يَحلق الشعر، يُذهب سلامة الصدر وسعةَ القلب، ويُبعد الإنسان المتخاصم عن الله ورحمته ومغفرته، وأيُّ دين يبقى للناس حين يسود بينهم العداوة والبغضاء والغل والحقد والحسد؟ أيُّ دين يبقى للناس حين يتلاشى من بينهم خُلُق التراحم والتوادُد والتعاطف؟ أم كيف يتنزل على الناس نصرٌ من السماء وتأييد من الله وبينهم ينتشر: التحاسد والتباغض والغيبة والنميمة والقطيعة والتباعد والتدابر؟

أيُّ صلاة هذه التي لم تأمر صاحبَها بوجوب الإصلاح ونزع فتيل القطيعة طوال 10 سنوات؟ أيُّ صلاة هذه التي صلَّاها هذا المصليان وما الذي كانا يسمعان فيها من آيات القرآن؟ أكانا يسمعان كلام ربنا المحفوظ أم كانا يسمعان قصص ألف ليلة وليلة؟ هل سمعا قول الله سبحانه {إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا} أو قولَه سبحانه {وَالصُّلْحُ خَيْرٌ} أو قولَه سبحانه {فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ} أو قولَه سبحانه حكاية عن يوسف عليه السلام لإخوته {لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ}.

فيــــا أيها الناس:
أرِغموا أنفَ الشيطان وأغيظُوا رأسَ الكِبرِ إبليس، وامضُوا في طَريقِ الإصلَاحِ والصَّلاحِ فإنَّهُ وَاللهِ خَيرٌ لكُم وَأبْقَى، واعْلَموُا أنَّ التَّغَافُرَ خَيرٌ مِنَ التَّعَاتُبِ.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى