دين ودنيا

التُّجَّارُ فُجَّارٌ إِلَّا …

كتب د. وائل الزرد داعية إسلامي

في البدايةِ يطيبُ لي أنَ أقولَ:
ألفُ تحيةٍ وشكرٍ ودعاءٍ باليُمن والبركة لكل التجار الذين رفضوا رفعَ أسعار البضائع رفضوا استغلال حاجة الناس، وأصروا على بقاء الأسعار كما هي، يَربحون ويَرحمون، وأمَّا غيرُهم من الذين أصروا على عدمِ رحمةِ الناس، وقَرروا أن يَرفعوا الأسعار ويَستغلوا حاجةَ الناس، فهؤلاء: “لَيْسُوْا مِنَّا وَلَا نُحْنُ مِنْهُم”.

إنَّ الضربَ في الأرض بحثًا عن الرزق والسيرَ في هذه الحياة طلبًا للمعاش؛ لا يحسنه إلا قليل من الناس من ذوي القدرات العالية في التعامل مع السوق ربحًا لا خسارة وتقدمًا لا كسرًا وتأخرًا، وخاصة حين تكون التجارة في بلدٍ مثل “غزة” حيثُ الحصارُ الظالمُ ومنعُ كثيرٍ من البضائع من الوصول، حيثُ إغلاقُ المعابر ومصادرةُ البضائع، حيثُ المساومةُ على لقمةِ العيشِ والحربُ على قرارِ الحياة، حيثُ المعابرُ والعمالُ والحواجزُ والضرائبُ؛ وقائمةُ النجاحِ في جلبِ البضائعِ وبيعِها في غزة تطولُ وتطولُ جدًّا.

ومع تقدير الوظائف سواء كانت الحكومية أو غيرها وأهميتها؛ غير أنها لا تجعل من الموظف غنيًّا -إلا أصحاب الوظائف العُليا- وإنما تبقيه في حالة الستر والكفاف، حتى جرى على ألسنة الناس عبارة عن الوظيفة مفادها: “الوظيفة إن لم تُغنِ بتستر”، أما التجار فهم بالتجارة والكد والتعب يتجاوزون حالة الكفاف والحاجة، ويصبحون من أهل الدثور والأجور، وقد جاء فقراء المدينة مرةً لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: “ذَهَبَ أَهْلُ الدُّثُورِ مِنَ الأَمْوَالِ بِالدَّرَجَاتِ العُلاَ، وَالنَّعِيمِ المُقِيمِ يُصَلُّونَ كَمَا نُصَلِّي، وَيَصُومُونَ كَمَا نَصُومُ، وَلَهُمْ فَضْلٌ مِنْ أَمْوَالٍ يَحُجُّونَ بِهَا، وَيَعْتَمِرُونَ، وَيُجَاهِدُونَ، وَيَتَصَدَّقُونَ” رواه البخاري حديث رقم: 843. وقطعًا هؤلاء أهلُ الدثور لم يكونوا من الموظفين، وإنما كانوا أصحابَ شركاتٍ ورجالَ أعمالٍ وأربابَ تجارات؛ تمكنهم من: العمرة، والجهاد، والصدقة!

ونحن هنا لا نتكلم عمَّن برَّ واتقى من التُّجار الأُمناء، ولكنا نتكلمُ عمَّن يستغلُ حاجةَ الناس ويريدُ أن يغنى على حسابِ قوتِ الفقراءِ والمُحتاجين، يريدُ أن يُنبتَ جسدَه من حرامٍ ليكونَ أهلًا للنار يوم القيامة، وفي الحديث عَنْ رِفَاعَةَ، قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَإِذَا النَّاسُ يَتَبَايَعُونَ بُكْرَةً، فَنَادَاهُمْ: “يَا مَعْشَرَ التُّجَّارِ”، فَلَمَّا رَفَعُوا أَبْصَارَهُمْ، وَمَدُّوا أَعْنَاقَهُمْ، قَالَ: “إِنَّ التُّجَّارَ يُبْعَثُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فُجَّارًا، إِلَّا مَنْ اتَّقَى وَبَرَّ وَصَدَقَ”. رواه ابن ماجه حديث رقم: 2146 وهو حديث حسن لغيره. نعم عن هذا الصنف من التجار الذين ما أن يسمعون صيحةً في حربٍ حتى يتنادَوا إلى رفع الأسعار واحتكار البضائع وإخفاء السلع الرئيسية دون مراعاة لـــــــ: دينٍ أو ضميرٍ أو أخلاقٍ.

مثل هذا الصنف من التجار -للأسف- يأخذون بجريرتهم أتقياءَ التجار وأبرارَ رجالِ الأعمال، حين يظهرُ أكثرُهم في وقت الأزمات ويحتجون بحجج واهية داحضة.

ونحنُ بلا شكٍّ لسنَا بدعًا من العالم، نرى ونسمع ما يحدث من حولنا ونقدر أن الواقع أثناء الحروب ليس كغيره، خاصة إن منعتِ الدول المصدرة بعض السلع الرئيسية مما يؤدي -بلا شك- إلى ارتفاع الأسعار بسبب غلاء الاستيراد والشحن من دولة لأخرى، أقول: لو وقع مثل هذا في بعض السلع وخرجت الوزارة المعنية بالتوضيح فساعتها سيكون الناس مضطرين على قبول الأمر على ما هو عليه، أما أن تُفقد البضائع ويرتفع سعر السلع وتحتكر المواد التموينية فهذا هو الظلم بعينه، ولا يفعله إلا محتكر كذاب أشر مخطئ… فَعَنْ مَعْمَرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «لَا يَحْتَكِرُ إِلَّا خَاطِئٌ» رواه مسلم حديث رقم: 1605.

يقول الإمام النووي في شرح صحيح مسلم: قال أهل اللغة: الْخَاطِئُ بِالْهَمْزِ هُوَ الْعَاصِي الْآثِمُ وَهَذَا الْحَدِيثُ صَرِيحٌ فِي تَحْرِيمِ الِاحْتِكَارِ… وَالْحِكْمَةُ فِي تَحْرِيمِ الِاحْتِكَارِ دَفْعُ الضَّرَرِ عَنْ عَامَّةِ النَّاسِ كَمَا أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّهُ لَوْ كَانَ عِنْدَ إِنْسَانٍ طَعَامٌ واضطر الناس إليه ولم يجدوا غيره أجير عَلَى بَيْعِهِ دَفْعًا لِلضَّرَرِ عَنِ النَّاسِ” وقد أورد الإمام ابنُ حجر رواياتٍ مأثورة في ذم الاحتكار منها: “مَنِ احْتَكَرَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ طعامَهُم ضَربَه اللهُ بالجُذامِ والإفْلَاسِ” وقَالَ “الْجَالِبُ مَرْزُوق والمحتكر مَلْعُون” فتح الباري لابن حجر.

وأخيـــــــــــــرًا:
فَعَلَى هَذا الصنْفِ مِنَ التُّجارِ أنْ يَتقوا اللهَ، فَاليومَ دُنيَا وَغدًا آخِرة، ولَا يَحلُّ لَهم أنْ يُتخِموا أنفسَهُم بِالحَرامِ وهمُ يَرونَ النَّاسَ لَا يَجدُون مَا يُقيتُهم إِلا بِشقِّ الأنْفُس، ولْيَعلمُوا أنَّ الرِّبحَ القَليلَ معَ البركةِ والرحمةِ خيرٌ -واللهِ- مِن الربحِ الكَثيرِ معَ المحقِ واللعنَةِ، وعَلَى الجِهاتِ المَسؤولةِ في الحُكومةِ أنْ تُتَابعَ الأمْرَ وألا تَتركَ النَّاسَ عُرضةً للنهشِ مِن قِبلِ فُلانٍ أو عِلانٍ ممَّن لَا دِينَ لَه وَلَا ضَمِير.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى