دين ودنيا

زُرْتُ شَيْخًا يَائِسًا…

كتب : د. وائل الزرد داعية إسلامي

اتصلتُ به أسأل عن صحته وأطلب منه تحديد موعدٍ للزيارة وذلك بعد شوق له، فكان أول ما سألني: كم واحد سيأتي معك؟ وكم ستمكثون عندي؟ فقلت: سآتيك وحدي ولن أطيل عليك، وأخفيتُ ضيقي من سؤاله، فلم أعتد أن أكون سببًا في ضياع وقت أحد حتى يسألني كم ستمكث؟ ولن ألتقي به من أجل الأكل والشرب ولا من أجل لهوٍ أو لعب، وإنما أزوره في الله ولله، والله يعلم مرادي في هذه الزيارة خاصة، فقد كانت لله من بدايتها إلى نهايتها.

وصلتُ بيته على الموعد فوجدته في مكتبته الزاخرة بالكتب فرحَّب بي وجلست أسأل عن صحته وأولاده وبناته فمنذ زمن بعيد ما التقيته؛ والشيخ يخبرني عن حاله وحال أولاده وبناته فيقول: هذا تزوج وهذه أنجبت وهذا وذاك حتى جاء على كل أفراد عائلته -ربي يحفظهم جميعًا- ثم بادرتُه سائلًا: وكيف أنت ونشر الأبحاث العلمية وتأليف الكتب وكتابة المقالات وإصدار الفتاوى؟ فصال هنا وجال وهو يتكلم عن عددِ الأبحاث العلمية التي نشرها، وعدَّد الكتب العلمية التي ألَّفها فطبعت وبعضها قيد الطباعة الآن، ثم أسهب في نشر الفتاوى الإلكترونية وعبر الجوال في أوقات محددة لكنها كثيرة.

شكرتُ له كل ما يقوم به وسألت الله أن يكون كل هذا خالصًا لوجه الله الكريم، أمرًا بالمعروف ونهيًا عن المنكر، ولكني بادرتُه -وربما فاجأتُه- فقلت: “وَأَينَ نَصِيبُ النَّاسِ مِنْكَ يَا شَيْخُ؟”

فصمتَ فأخذتُ أسترسلُ في الكلام وأقول: نعم أين نصيب الناس منك يا شيخ؟ لماذا لا نراك في المساجد مُعلمًا ومُذكرًا؟ لماذا لا نراك في الأماكن العامة ناصِحًا وواعِظًا؟ لماذا ليس لك مجلس علم في المساجد الكبرى؟ ولماذا لا تطوف على المساجد الصغرى؟ لماذا ترى بعض المنكرات ولا تنهى عنه بين الناس وعند الزحام؟ لماذا ترى بعض المعروف مفقودًا عند بعض الناس ولا تأمر به؟ لماذا لا تشارك الدعاة العاملين دعوتهم وأمرهم ونهيهم؟ لماذا قنِعتَ بالمكتبة والجو المكيف؟ وارتضيت حياة التأليف والكتابة؟ ولماذا انتهيت -بعد كل العلم- إلى الأبحاث العلمية والتعليم الأكاديمي؟ ثم وجدتُ نفسي صارخًا في وجه الشيخ قائلًا: “مَنْ لِلنَّاسِ يَا شَيخُ إِنْ سَكَتَّ أَنْتَ؛ قُلْ لِي بِاللهِ عَلَيكَ مَنْ لِلنَّاسِ؟”.

ساد الصمتُ قليلًا في غرفة الضيافة وأنا مطرقٌ رأسي، والشيخ لا ينطق بكلمة واحدة سوى أنه قال وليته لم يتكلم “أنَا يَئِستُ يَا أَخِي أَبُو حُسَام” ثم صمتنا طويلًا حتى دخل أحدُ أولاد الشيخ -وكان يسترق السمع- فقلتُ: استأذن لي يا حبيبي حتى أنصرف، وفعلًا فتح الشابُّ لي الطريقَ وخرجتُ دون أن أُسلِّم على الشيخ وتركتُه وحيدًا يُراجعُ ذاتَه ويُحاسبُ نفسَه في هذه الدقائق الحزينة، وأنا واللهِ خرجتُ حزينًا على شيخٍ قد أُصيبَ باليأسِ والإحباطِ وقد جمع علمًا كثيرًا وتاريخًا نظيفًا …

مِسْكِينٌ والله هذا الشيخ يظن أنه قد برأت ساحته حين قال لي “أنَا يَئِستُ يَا أَخِي أَبُو حُسَام”، نعم مِسْكِينٌ هذا الشيخ الذي أصيب باليأس فترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، مِسْكِينٌ هذا الشيخ الذي أُصيب باليأس فترك أمرَ الدعوة إلى الله وإلى الخير، مِسْكِينٌ هذا الشيخ وقد أُصيب باليأس فما عاد ينصح وما عاد يذكر وما عاد يعظ الناس… لقد أفرح الشيطان ورضي منه إبليس ذلك حين ظفر منه بهذه الكلمة، وراح -لعنه الله- يزين له الجلوس في المكتبة والرضى بالتأليف والبحث، وبغَّض له الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأسكن في عقله وقلبه أن الناس لا خير فيهم، وأنهم لا يستجيبون، وأنه كما قال أحدُهم: آهٍ لو يجدي الكلام .. ماتت الأمة والسلام !!!

وتذكرتُ الآن وأنا أكتب هذه الكلمات شيخ الأمة الإمام أحمد ياسين -رحمه الله رحمة واسعة- فقد كان الشيخ ذا همة لم أرَ بعين مثلَه، مع مرضه بل أمراضه وإعاقته وعذره لكنه رفض حياة اليأس والإحباط، وأبى أن يستسلم للمرض والإعاقة والأعذار، ومضى في طريق ذات الشوكة يبثُّ فينا وفي الأجيال همةً من حيث كان مقعدًا، وينفثُ في روحنا عزيمةً من حيث كان مريضًا معذورًا، فيا لرحمات الله عليك تترا يا شيخ الأمة “اليَاسِيْن”.

وأَجِدُ نَفسِي أَقُولُ أَخِيرًا: {ذَٰلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ}.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى