دين ودنيا

وَأَخِيرًا بَطَلَتْ صَلَاتِي…

كتب د: وائل الزرد داعية إسلامي


أصلي الصلوات الخمس بفضل الله من سنواتٍ طوال، وأذكر أنني بدأت الصلاة في عام 1987 م في أول أيام الانتفاضة الأولى مع بعض الشباب جزاهم الله خيرًا، ورحم الله الشهداء، وهذه الصلاة التي ما اعتراها انقطاع بفضل الله سبحانه، وإن كنت صليت قبلها أيام المجمع الإسلامي لمن يذكر تلك الأيام، يوم أن كان الشيخ أحمد ياسين رحمه الله يجمعنا من حيث نحب ونحن صغار، من حيث اللعب واللهو ثم ينتهز مثل هذه الفرص ويقوم بوعظنا وإرشادنا، فجزاه الله عنا خير الجزاء ورحمه الله رحمةً واسعة.

ولا أذكر طوال هذه الفترة أنني صليت مرة ثم تبين لي أن صلاتي باطلة، قد نقص منها ركنٌ لا تصح الصلاة إلا به، غير أني هذه المرة -وسبحان الله- بعد هذه السنوات الطوال وقفت أمام الناس وقلت لهم: نعم؛ لقد بطلت الصلاة فأعيدُوا صلاتَكم يرحمكم الله.

قبل يومين صليتُ بالناس العشاء ثم شرعت في صلاة التراويح، وفجأة أثناء قراءتي للقرآن من سورة آل عمران، ما أن انتهيت من القراءة حتى كبَّرت قائلًا: “اللهُ أكبر”، مستعدًا للركوع وإذا بي أهوي للسجود! وفي لمح البصر وأنا في السجود ما أن بدأت بقولي “سبحان الله” حتى أدركت أنني تركت الركوع، والناس من ورائي بين راكع وساجد، وقد ما لم أفكر فيه مرة واحدة في حياتي، وعلى وجه السرعة كبَّرت ثم سلَّمت ليعلم الناس ذلك، ثم وقفت أمام الناس وقلت: “أيها الإخوة قد تركتُ ركنًا من الصلاة وهو الركوع، والركوع لا يجبر بسهو، فسبحان من لا يسهو، أعيدوا صلاتكم يرحمكم الله” ووجدتُ هذا الحكم في صلاة الجماعة أنسب حكمٍ؛ قطعًا للخلط والقيل والقال بين المصلين.

د. وائل الزرد

وأنا أعلم والحمد لله أكثر من قولٍ في مثل هذه المسألة التي قد تقع للإمام، غير أني اخترت هذا الحكم لأنه الأنسب والأصوب في صلاة الجماعة، وأنبه لثلاثة أمورٍ تنفع ولا تضر، وهي مهمة لمن وقف بالناس إمامًا أو يرغب:

الأول: صدق القائل “جلَّ مَن لَا يَسهُو” نعم والله، فاللهُ وحده سبحانه وتعالى لا تأخذه سنةٌ ولا نوم، هو سبحانه حيٌّ قيوم، وما سوى اللهِ عزَّ وجلَّ محكومٌ ببشريته أنه يُخطأُ ويُصيبُ، يَسهُو ويَصحُو، ينامُ ويستيقظُ، يذنبُ ويستغفرُ، يسيءُ ويتوبُ، وهكذا لأنه من أبناء آدم، وآدم عليه السلام وقع منه ما وقع وهو في الجنة حيث لا شرَّ ولا شهوات.

الثاني: أحمدُ اللهَ كثيرًا على نعمةِ العلم -وهو قليل- فبفضلِ الله ما اضطربتُ ولا انزعجتُ، بل على وجه السرعة فعلتُ ما يمليه عليه العلم والحكمة، وهذا من فضلِ الله عليًّ والحمد لله، فقد قرر الله في كتابه أن من أُوتي العلم لا يستوي هو ومن لم يُؤت فقال {قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ} فما أُعطي العبد نعمة أعظم من العلم، فإنها والله النعمة العظمة والعطية الكبرى، فما الفخرُ إلا لأهلِ العلمِ إنهمُ على الهدى لمن استهدى أدلاءُ، ففُز بعلمٍ تعِش حيًّ به أبدًا الناسُ موتى وأهلُ العلمِ أحياءُ، والله يقول {وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ}.

الثالث: على الإخوة الذين يتسابقون للوقوف خلف الإمام مباشرة أن يتسلحوا بالعلم والحكمة، فإنَّ مقامَهم مقام الإمام، ولا يحسُن بمثلهم أن يكون جاهلًا بأحكام الصلاة جماعةً وهو يزاحم على الوقوف خلف الإمام مباشرة، ولو أُزيح أو قيل له: تنَحَّ واترك مجالًا لحفظة القرآن وللعارفين بالإحكام، لغَضِبَ وتمرد، وهو بهذا يخالف نصًّا نبويًّا واضحًا، فَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “اسْتَوُوا، وَلَا تَخْتَلِفُوا، فَتَخْتَلِفَ قُلُوبُكُمْ، لِيَلِنِي مِنْكُمْ أُولُو الْأَحْلَامِ وَالنُّهَى ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ” رواه الإمام مسلم في صحيحه، حديث رقم: 432.

وأولوا الأحلامِ والنُّهَى هم: ذَوُو العُقولِ الراجِحةِ، والحِلمِ والأناةِ والتثبتِ في الأمورِ، ممَّن جمَع َبينَ العلمِ والحكمةِ، جعلَنَا اللهُ منهُم جَميعًا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى