دين ودنيا

رُبَّما لَا نَلتَقِي ثَانيةً …

كتب : د. وائل الزرد داعية إسلامي


أيْ وَاللهِ، رُبَّما لَا نَلتَقِي ثَانيةً، ومن يدري فالأعمارُ بيد الله تعالى، {وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ} فالآجال معلومة والأنفاس معدودة، وملك الموت لا يتأخر ومساعدوه جاهزون رهن الإشارة، وإذا ما وقعت ورقةُ العمرِ عن شجرةِ الحياة، فلا تحدثني عن طبيب معالج ولا حبيب شافع، {قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ}.

وفي كل رمضان من كل عام يتردد على ألسنتنا نفس السؤال: مَن الذي فقدناه في العام الماضي؟ والله أعلم من الذي سنفقده في العام القادم؟ وذلك ليقيننا جميعًا بأن نهاية كل حي الموت، كما أخبرنا الله في القرآن {كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (26) وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ}.
وَلَو أَنّا إِذا مُتنا تُرِكنا *** لَكـانَ المَـوتُ راحَةَ كُلِّ حَيِّ
وَلَكِـنّـا إِذا مُـتـنا بُعثِنا *** وَنُسأَلُ بَعدَ ذا عَن كُلِ شَيءِّ

وعليه أقول لكم جميعًا:

سامحوا بعضَكم، واعفُوا عن بعض، واغفِروا لبعض، واصفحُوا عن بعض، فمن سامحَ عن الناس سامحَه اللهُ، ومن عفَا عن الناس عفَا اللهُ عنه، ومن غفرَ للناس غفرَ اللهُ له، ومن صفحَ عن الناس صفحَ اللهُ عنه، “جزاءً وفاقًا” وما أجمل أن يتخلق الواحدُ منا بأخلاق الكبار من مثل: أن يَعفوَ عمَّن ظلمَه، وأن يصلَ من قطعَه، وأن يُعطيَ من حرمَه، وأن يُحسنَ لمن أساءَ إليه.

وكم فقدنا من أحبابٍ لنا كانوا معنا في كل ركعةٍ وسجدة، وبصماتهم في الخير والطاعة معلومة ومشهودة، ولم يكن يخطر على بالنا أنَّ الموتَ ممكنُ أن يتخطَّفهم منا فجأة، بحيث لم نعد نجالسهم ولا نحدثهم، وقد تركوا فراغًا لا يملأ بغيرهم ولو اجتمعت الأرض كلها، وسنبقى على أمل اللقاء بهم في ظل الله يوم القيامة، هناك حيث التلاقي بلا فِراقٍ أبدًا.

ولأنّه فعلًا -ربَّما لا نَلتَقي ثَانيةً- تعالَوا نتعاهدُ فيمَا بيننا علَى أنَّ “مَنْ نَجَا مِنَّا يَأخذُ بِيدِ أَخيِهِ” يوم القيامة، فالنجاة الحقيقية هي التي تكون في قول الله -سبحانه وتعالى- {فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ} واستكثروا من حجز أماكن في قلوب الصالحين، فإنهم لعلهم يذكرونكم يوم الفزع الأكبر، يومَ يبحثُ الناسُ عَن شَافعِينَ أوْ صَدِيقٍ حَميمٍ، نسألُ اللهَ أنْ يَكتبَ لنَا النجاةَ جَميعًا، اذْكُرُوا عَهْدَنَا وَلَا تَنْسَوَهُ أَبَدًا…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى