غير مصنف

التكلفة التي دفعها الاحتلال لخلق جيل فلسطيني يؤمن بالتعايش ذهبت سدىً

كتبت : أنوار هنية

لطالما سعى الاحتلال الصهيوني إلى طمس الهوية الفلسطينية، وتفريغ العقول الفلسطينية من كل ما يتعلق بالثوابت الفلسطينية و تحرير الأرض والإنسان واستبدالها بمفاهيم التعايش و السلمية والتحررية و التنوير واحلال قيم ومفاهيم وحياة جديدة بمنأى عن كل ما يعتنقه كل فلسطيني حر، وتثبيت سياسية التنسيق الأمني بالتعاون من المنسقين الذين تشربوا أفكارهم دون هوادة.

أنوار هنية

ولطالما هدِف الاحتلال لتفريغ المحتوى الفلسطيني من هويته الأصيلة، فكان فوز كتلة الوفاء بمثابة صفعة مدوية للمحتل الذي ظن أن تعبئته و تعبه لسنوات طوال أتى بثماره فجاءت النتيجة عكسية تماما عقب النصر الذي حققته “كتلة حماس الطلابية” في جامعة “بيرزيت” التي حملت اسم “كتلة الوفاء الاسلامية” عبر الفوز ب28 مقعدا مقابل 18 مقعدا لحركة فتح التي خاضت الانتخابات باسم “كتلة ياسر عرفات” والتي كانت تسيطر على مجلس طلبة الجامعة لسنوات طوال، وخمسة مقاعد للجبهة الشعبية.

لم يكن هذا الفوز عاديا لمن يجيد قراءة المشهد السياسي الفلسطيني فرغم أنه يبدو ظاهريا، فوز لكُتل طلابية متنافسة إلا أن أهميته تكمن في تداعيات هذا الفوز في جامعة تعد مقياسا للمزاج الفلسطيني السياسي العام ، ولجامعة يعود تاريخ نشأتها إلى عام 1924، ولعب خريجوها دورا مهما في رسم الأحداث على الساحة الفلسطينية على مدار التاريخ.

فقد خرجت قامات فلسطينية وطنية رسمت تاريخ فلسطين في مفاصل عدة، منهم الشهيد يحيى عياش الذي كان أحد نشطاء الكتلة الإسلامية في الجامعة آنذاك، وهو من أوائل صانعي المتفجرات، ومهندس كتائب القسام الأول، التي أشاعت عملياتها الذعر في الشارع “الإسرائيلي” في مطلع التسعينات من القرن الماضي، والشهيد الدكتور فتحي الشقاقي وهو من مؤسسي حركة الجهاد الإسلامي في فلسطين، والأسير مروان البرغوثي وهو سياسي فلسطيني، وأحد الرموز الفلسطينية في الضفة الغربية، وزعيم التنظيم في حركة فتح الذي لعب دورًا بارزًا خلال الانتفاضة الفلسطينية الثانية وحكم عليه بالسجن المؤبد خمس مرات.

فلا يمكن إنكار أن التشكيلة السياسية لطلبة جامعات بيزيت هي انعكاس لنبض الحياة والآراء السياسية في الشارع الفلسطيني بألوان طيفها المختلفة بأحمرها وأخضرها وأسودها وجميع ألوان الطيف الفلسطيني حيث تضم الجامعة طلبة وأكاديميين من توجهات فكرية مختلفة لكونها من أعلى المؤسسات التعليمية على مستوى فلسطين، كما أن طاقمها الأكاديمي كان يضم أيضا عددًا من الشخصيات الفلسطينية البارزة مثل عزمي بشارة ود. حنان عشراوي وسري نسيبة وغيرهم.

وصحيح أن كتلة الوفاء الطلابية هي كتلة نقابية لكنها امتداد لحركة سياسية هي حركة المقاومة الإسلامية التي تتخذ المقاومة نهجا و مسارا لتحقيق النصر و دحر الاحتلال، وهذا الفوز يعكس التوجه العام الذي أصبح ينفر و يرفض التنسيق الأمني وسياسة أصحاب هذا التوجه، ويرفضها عبر صناديق الاقتراع بكامل الإرادة والحرية ويعكس التفاف الشعب نحو نهج المقاومة الذي تتبعه حركة حماس كنهج ثاتب وأصيل لمقارعة الاحتلال حتى النصر.

كما أنه دلالة واضحة على الرفض الواضح والصريح لسياسة وإدارة السلطة الفلسطينية سواء على صعيد سياستها المتبعة في التعامل مع الاحتلال أو على صعيد تعاملها مع الفلسطينيين الذين يدافعون عن وطنهم ويتم اعتقالهم و مطاردتهم من قبل السلطة أو الاحتلال بتعاون علني وصريح ورفضهم القاطع لخيار المساومة، وغضب علني من إدارة السلطة للشئون السياسية والمدنية في الضفة المحتلة.

فقد تزايدت نقمة الفلسطينيين على أداء السلطة الفلسطينية برئاسة محمود عباس الذي يترأس حركة فتح، بسبب تدهور الوضع المعيشي وعدم تحقيق أي شيء لصالح الفلسطينيين في المفاوضات مع إسرائيل وغياب الحياة السياسية في الأراضي الفلسطينية.
ولا شك أن مشاهد الرايات الخضراء في ساحات المسجد الأقصى وكلمات قادة حركة حماس المباشرة والمسجلة التي تصدح في ساحات المسجد الأقصى في الآونة الأخيرة وصور قادة المقاومة التي تغطي جدران وساحات الجامعات والمظاهرات والاحتفالات والوشاحات التي يرتديها كل من آمن بهذا النهج من المنظَّمين أو المناصرين رفضوا الخنوع للاحتلال، كل تلك المشاهد تقول كلمتها الفصل في شعب يلتف التفاف حقيقي نحو المقاومة، ويرفض التنسيق والتطبيع الأمني.

ولا تزال (يا غزة يلا مشان الله ) تصدح في سماء الضفة و القدس المحتلة كلما واجهت عدوانا و التي قد يتعبها قرار عسكريا يخرج من قيادة المقاومة غزة، ويليها هبة و نجدة تلبي النداء، هذه القيادة تُعِد العدة لسنوات طوال ليوم النصر الأكبر، وليس هناك من دليل أكبر على إيمان الشعب بما تصنعه صواريخ المقاومة حينما تنطلق من غزة ليستقبلها أهل الضفة فرحين مهللين مكبرين كأنها مشاهد تمهيدية ليوم التحرير بينما تنزل هذا الصواريخ حمما و هلعا وخوفا وهزيمة للاحتلال الصهيوني و قادته.

ويبدو واضحا أن التكلفة التي دفعها الاحتلال الصهيوني خلال السنوات السابقة لخلق جيل فلسطيني يؤمن بالتعايش والسلمية ذهبت سدىً، و سياسية تفريغ العقول و طمسها وجرها نحو الانهزامية باءت بالفشل، وفوز كتلة الوفاء والتفاف الشعب نحو خيار المقاومة لأكبر دليل على ذلك ، ورغم القتل والأسر والترويع للشباب الفلسطيني الثائر من قِبل الاحتلال و من قبل السلطة الفلسطينية إلا أنهم نجحوا في الحفاظ على هويتهم الفلسطينية الحقيقية ولم يقبلوا الاستسلام و الخنوع وساروا على نهج الشهداء والأسرى والقادة العظام الذين تركوا لنا إرثا فلسطينيا كبيرا وعظيما لن تستطيع أي ترسانة عسكرية محوه من عقول و قلوب الفلسطينيين في شتى بقاع الأرض حتى ينالوا التحرير .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى