فلسطينيات

العمليات النفسية والايمان بحتمية الانتصار على الاحتلال


بقلم: أ. نمر ياسين المدهون الباحث في معهد فلسطين للدراسات الاستراتيجية


تواكبت طفرات القرن 21 التكنولوجية بما فيها مجالات الاتصال والمعلومات ونُظُم التسليح، وتطورات بالغة الأهمية والخطورة في مجال العلوم الإنسانية، لا سيما فيما يتعلق بالظواهر السلوكية (اجتماعية، نفسية، سياسية)، والتي تعني بشكل محدد باستغلال نتائج ومردود ذاك التقدم وتوظيفه لتطبيق العلوم المتعلقة بالظواهر الإنسانية والسلوكية وأُسُسها ووسائلها وأساليبها، والتي كان من أبرزها المفهوم الشامل للعمليات النفسية.

أدرك العدو الإسرائيلي أهمية العمليات النفسية، فمنذ انعقاد المؤتمر الصهيوني الأول 1897م، والحركة الصهيونية تطور من أساليب عملياتها النفسية، مستشعرةً أهمية العمليات لإقامة وطن قومي يهود في عزلة دينية وعرقية وعرفية توسطت المجتمع الإسلامي، فكان لزاماً عليها السيطرة على المجتمعات الأمريكية والأوروبية لمدى تأثيرها على قرارات دولهم وسياستها فتم لهم ذلك؛ تقسم العمليات النفسية اليهودية إلى ثلاث مراحل: الأولى هي مرحلة ما قبل إنشاء دولة (إسرائيل)، حيث ارتكزت العمليات النفسية فيها على مقولات منها “العداء للسامية” (الهولوكوست: المحرقة)، أما المرحلة الثانية: والتي تلت قيام دولة الكيان فكان أبرز مقولاتها ما يتناغم مع طبيعة اغتصاب الأرض مثل “الأرض الخالية من السكان والصحراء القاحلة”، أما المرحلة الثالثة؛ والتي تلت حرب أكتوبر 1973م، وبعد التطورات الدراماتيكية التي حدثت بعد تلك حرب والمتغيرات الدولية، اعتمدت إسرائيل على مقولات جديدة تساير الوضع المتغير إقليميا مثل: “خطر الإسلام الزاحف”.


إن دولة (إسرائيل) تولي العمليات النفسية أهمية بالغة، وتسخِّر في ذلك العلماء والمختصين النفسيين، لدراسة الوسط العربي الإسلامي ، وإجراء التجارب التي تمكن المختصين من السيطرة الفكرية على عقول الشعوب العربية وخاصة الشعب الفلسطيني، لقتل الإرادة العربية، وتثبيط معنوياتهم وكفاءتهم القتالية، وبقاء السيطرة على الأرض، وتحقيق مفهوم الردع داخلياً وإقليمياً، وتسليط الضوء على السقطات المجتمعية وتحولها من حدثٍ شاذ إلى ظاهرة منتشرة في المجتمع لحصر القضية الفلسطينية في بقعة جغرافية محددة فتتحصل بذلك على نتائج لم تكن العمليات العسكرية لتنجح في تحقيقها.

يمتلك الاحتلال قدرةً عاليةً في استخدام وسائل الإعلام العالمية ووسائل التواصل الاجتماعي، والتي يوصل عبرها السم النقاع ليتغلغل في وسطٍ اجتماعي متماسك ليصبح مفككا ومتناحراً اجتماعياً وتنظيمياً وسياسياً، وتعد الإشاعة من أهم وسائل العمليات النفسية التي يستخدمها المحتل والتي تعتبر من أهمها وأخطرها؛ فهي تحدث شرخاً يكبر مرة بعد مرة يستقي من ماء التناقضات الفلسطينية، ولم يغفل العدو ولو للبرهة في استخدم وسائل التواصل الاجتماعي فكانت صفحة المنسق باللغة العربية، لإداء المهمة والدخول لعقول الفلسطينيين بلغتهم ولهجتهم وشكلهم العربي الشرقي، ليظهر المحتل بدور الناصح الأمين فيقوم ببث الوساوس في القلب والعقل الفلسطيني.
اعتمدت المؤسسة الإسرائيلية على المعلومات التي تقدمها أجهزتها الأمنية والعسكرية، وتمثل ذلك في السلوك الذي انتهجه الكابينيت الذي كان له دورٌ ملاحظٌ وفاعلٌ في نجاح حربهم النفسية، لردع العدو الافتراضي لهم وفي حال أقدم على عمل مناوئ للمؤسسة الإسرائيلية دفعه للاستسلام، ويزخر التاريخ بهذه الشواهد.

رغم التفوق الإسرائيلي في العمليات النفسية، إلا أن حركات التحرر الفلسطينية أبلت بلاءً حسناً في معاركها مع العدو الإسرائيلي، خلال المواجهات والحروب في الأعوام 2008,2012,2014,2021,2022، حيث أدى بث المقاومة رسائل للجيش والمجتمع الصهيوني الأثر البالغ في تحطيم الروح المعنوية لدى الجنود والمجتمع الإسرائيلي، وأدى خروج أبو عبيدة الناطق العسكري وقوة أدائه الإعلامي المميز لخلق شبح في عقول الجيش الإسرائيلي .

في هذا المضمار المعقّد يجب علينا ألا نغفل عن المعادلة الإلهية التي وجهها لنا الله عز وجل في قوله تعالى، في سوره “الأنفال”: “وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَءَاخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لاَ تُظْلَمُون”، توجيه إلهي متكامل الأركان بمفهوم العمليات النفسية الشاملة لِمَا له من تأثير فعال ومباشر على قوى المقاومة الفلسطينية في تعزيز القوة والتي من خلالها يتم تعزيز النفس المؤمنة بقدر الله وقدرته على نصر عباده المؤمنين وتحقيق أهدافها وغاياتها في مجابهة الأعداء وتحقيق الظفر المبين في لحظة لم يتوقع حدوثها أحد، “حَتَّىٰٓ إِذَا ٱسْتَيْـَٔسَ ٱلرُّسُلُ وَظَنُّوٓاْ أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُواْ جَآءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّىَ مَن نَّشَآءُ ۖ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ ٱلْقَوْمِ ٱلْمُجْرِمِينَ “..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى